• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    الكلمة… لا تحرق إلا مكانها

    الكلمة تبني بلداً

    الكلمة تقتل. الكلمة الحرة تبني بلداً، وتصنع غابة. وهي مثل تفاحة في شهر آب يشتهيها الكل ولكن قلة يمكنهم تذوقها لأنها لم تنضج بعد، ولأن الولع بالحرية لا يمتلكه الكثيرون. الحديث عن الكلمة الحرة هنا هو بالتأكيد لارتباطها بمذكرات الإعتقال التي أصدرتها الحكومة السورية قبل أيام بحق عدد من اللبنانيين، والارتباط بين المذكرات والكلمة هو في عدد الصحافيين الموجودين في اللائحة والذين ملأوا بكتاباتهم كلمات حرة خلال سنوات طويلة دفاعاً عن مواقف اقتنعوا فيها، كلمات نسجت بمغزل العمل الصحافي وجهده.

    الكلمة تُكتب وتُرسم وتصير جدارية، وقد ترافق الصورة وقد تكون خطاباً في مهرجان جماهيري، يمكنها استلاب العقول، ويمكنها كذلك وصف حنان أم عجوز تودّع ابنها يومياً قبل أن يخرج من البيت، تنبهه فيها من أولاد الحرام ومن السرعة على الطرق، ومن صناديق السيارات المفتوحة التي قد تغلق فجأة.

    في العام قال تشي غيفارا، الثائر الأرجنتيني كلمة وداع لرفيقه فيدل كاسترو وذهب إلى بوليفيا مسجلاً موته التراجيدي الذي يشبه أي مسرحية يونانية، فهو بالتأكيد موت إسبارطي على الأقل كما حصل معه. كتب في وداع تلك اللحظة كلمات حب لكوبا بلده الثاني، حالماً بقصائد الشعر التي كتبها من بعد هذا الموت أحمد فؤاد نجم والكاتب التشيلي بابلو نيرودا وغيرهما الكثر… غاب في المجاهل البوليفية ودفن في مكان سري، ولكن الكلمة الحرة في كل العالم تذكره كواحد من العشاق الذين تماهوا مع عشقهم إلى درجة الفناء، مع أن كثر من كاتبي هذه الكلمة لا يوافقونه على النهج السياسي أو العصاباتي الذي اعتمده في صراعه لاثبات عشقه.

    الكلمة تصنع أيضاً من خطاب سياسي صرخة عالية، وجمهوراً يتماهى مع كاريزما الرجل السياسي، فيرفع إصبعه باتجاه ما فتتحول رؤوس الناس جميعاً إلى ذلك الاتجاه. الكلمة أيضاً تحرّك السلاح والرصاص كما حدث في السابع من آب عام حين أشير إلى المقاتلين أن يصنعوا معارك في شوارع بيروت، فكادت أن تلتهب أهلية لولا كلمة عقلاء، أوقفت الانجرار إلى المجهول في اتفاق الدوحة.

    الكلمة تصنع معجزة، ويقال أيضاً: “قل كلمتك وامش”، أو تستعمل في بداية الكتب السماوية: “في البدء كانت الكلمة، أو “إقرأ” والقراءة للكلمة بالتأكيد.
    والكلمة تُسرق أيضاً، فالكثير من “الكتبة” يسرقون مقالات الآخرين، لا يحررونها ولا يحورونها ولا يغيرون فيها حرفاً، ولهذه السرقات موقع عربي عمله حماية الكلمة الحرة من السرقة ويدعى “لصوص الكلمة”، حيث تبرز مواهب الكاتب الحقيقي بعد النسخ الذي يقوم به الكاتب “المستعير”.

    الشتيمة هي كلمة أيضاً، ولكنها بالتأكيد ليست كلمة حرّة، فهي مثل قبضة تنهال على وجهٍ عابر، أو على جسد سجين سياسي، الشتيمة والقبضة متوازيان لا يقتربان من كلمة الحرية أبداً، بل يصنعان فيها الدم والعنف، ولا يمكنهما أن يتحملا وجودها، لأنها شابة ولها ولعها بالحياة والحب والعيش الجميل، فيما الشتيمة والقبضة عجز وكره وحقد لا تشبه شيئاً في الدنيا.

    أن يكتب عبد السلام موسى وأيمن شرّوف كلماتهما الحرة، يعني ذلك أن الكلمة يصنعها الشباب، وليس المقصود هنا الفئة العمرية، بل المقصود هو النظرة الهادئة والسريعة التحرك التي يحملها هذان الصحافيان من خلال عملهما اليومي في متابعة الخبر وتحليله وكتابة التعليق عليه. هما كانا قد كتبا مقالة تستحق القراءة وهي جزء من نقاش عاش فيه البلد، قالا كلمة حرة في وقت كانت كل كلمة حرة تقابل بعبوة ناسفة، أو اعتداء جسدي أو رصاص غادر يأخذ أباً شاباً من بين أطفاله.

    هو أمر حيوي ورائع، أن يحمل أيمن وعبد السلام في نصهما جملاً واضحة، تعطي إجابات لكثير من القضايا التي لم تجد لها أجوبة في ذلك الوقت. بحثا كثيراً، وسألا معنيين في السياسة والقانون، وجاءا بالأجوبة ووضعاها في مقالة، نُشرت وقُرأت، وأخذت حيزاً في مكانها لأنها كانت كلمة جميلة. لا عبوة ولا قبضة ولا ملاحِقة ولا حتى صراخ يملأ آذان الناس فيمنعهم عن المتابعة، ولا دعوة إلى شرب فنجان قهوة في مقر أمني ما قبل أعوام.

    كلمتهما الحرة كانت كبيرة لا يستهضمها من لا يحبون الحريات، كاتبان يبحثان يومياً عن الحرية، تحولا إلى صورة وإسم يتداولهما الإعلام، والصورة في بعض الوسائل كانت سوداء توحي بإرهابي ما في بلاد أميركا اللاتينية، فيسألهما الناس في الشارع عن حقيقة الأمر وعن المعنى من استدعائهما عبر مذكرات التوقيف، لا يعرف الشابان إلا الكلمة الحرة التي يجيبان الناس فيها على أسئلتهم، ويمضيان في سبيلهما لأن الحياة مثلهما شابة ومحبة.

    الكلمة الحرة لا تقتل، ولا تصنع جمهوراً يشعل إطارات ويغلق الطرق، ولا تحرّك سلاحاً أو قبضة، الكلمة الحرة كما هي بحجم صاحبها وإنسانيته الجميلة، تكبر به وبعيشه، وتتحول معه إلى ثابتة بأسس حاملها لا تهتز بالرياح، ولا يمكن للموج أن يحركها عن الحب والعيش والجمال.

    عمر حرقوص
    جريدة المستقبل
    07.10.2010

    Leave a Reply