• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    القضاة والبرلمانيون والإعلاميون وجوه ثلاثة للاستثناء الديموقراطي اللبناني

    إنّ مجرّد صدور استنابات توقيف غيابية سوريّة بحقّ قضاة وبرلمانيين وإعلاميين لبنانيين في يوم واحد، هو أمر كاف للتذكير بالإختلاف البنيويّ الجذريّ بين طبيعة نظاميَ الحكم السوريّ واللبنانيّ. فأحدهما قائم على الدمج بين السلطات على ما يظهره دستوره، وثانيهما قائم على مبدأ الفصل والتكامل بين السلطات على ما يكرّسه دستوره.

    القضاة والبرلمانيّون والإعلاميّون هم إذاً عناوين لإختلافات تاريخيّة ثلاث بين تطوّر الأمور في كلّ من سوريا ولبنان منذ نهاية الحقبة الإنتدابية الفرنسية وإلى اليوم. ولبنان الذي يلتزم النظام الديموقراطيّ البرلمانيّ والسلطة القضائية المستقلّة والصحافة الحرّة يشكّل منذ وقت طويل إستثناء عربياً في هذا المجال، وليس فقط إستثناء عن سوريا.

    وهذا طبعاً يمكن أن يشكّل قاعدة موضوعيّة للتوتّرات بين الديموقراطيّة اللبنانيّة والبلدان العربية الأخرى بشكل عام، وبينه وبين سوريا بشكل خاص.

    في الوقت نفسه، فإنّ الديموقراطيّة اللبنانيّة هي ديموقراطيّة طائفيّة بالدرجة الأولى. الطائفية شرط وجودها، والطائفية حدودها. الثنائية الإسلامية المسيحية علّة هذا الكيان سواء بالمعنى الإيجابيّ أو بالمعنى السلبيّ لكلمة “علّة”. بالتالي، ينبغي أن تفهم الديموقراطية اللبنانية على الدوام أنه يمكنها أن تشكّل رئة عربية، لكن لا يمكنها أن تتحوّل إلى “إقليم قاعدة” (بلغة القوميين العرب القديمة) لتصدير الديموقراطية الليبرالية إلى أرجاء العالم العربي. قدر الديموقراطية اللبنانية أن تبني نفسها كـ”ديموقراطية في بلد واحد” وكرئة ديموقراطية لعالم عربيّ غير ديموقراطيّ، خصوصاً في مرحلة لا تبشّر لا على المستوى العالميّ ولا على المستوى الإقليميّ بالمزيد من التوسّع الديموقراطيّ نحو الشرق.

    في الوقت نفسه، على “الديموقراطية في بلد واحد” اللبنانية أن تكون قادرة على حماية خصوصيّاتها.. وتحديداً خصوصيّاتها القضائية والبرلمانيّة والإعلاميّة.. لا سيّما أنّ ما يبدو إستثناء على القاعدة في العالم العربيّ ليس إلا القاعدة الأساسية في العالم منذ انتهاء الحرب الباردة.

    من هنا، أهمية أن تكون العلاقات الديبلوماسية بين لبنان وسوريا هي علاقات “تجسّر” الهوّة القائمة بفعل الإختلاف البنيويّ الجذريّ في طبيعة النظام السياسيّ في كلا البلدين. في الوقت نفسه، فإنّ تمييز هذه العلاقات على هذا الشكل غير ممكن إلا بوعي هذا الإختلاف وقبوله.

    على هذا الأساس، ينبغي أن تكون الإستنابات الغيابية حافزاً إضافياً للنضال من أجل تطوير مبدأ العلاقات الديبلوماسية بين بلدين جارين شقيقين يقوم في كل منهما نظام سياسيّ مختلف جذرياً عن النظام السياسيّ القائم في البلد الآخر.

    وإذا كان فريق 8 آذار يستثمر هذه الإستنابات الغيابية في الوجهة التي تحلو له، أي في الوجهة المقوّضة للوطنيّة اللبنانية، وللديموقراطية اللبنانية، وللعدالة اللبنانية، فإنّه يمكن للقوى الإستقلالية أن تستثمر هذه الإستنابات الغيابية في وجهة أخرى تماماً، أي في الوجهة المكرّسة للوطنية اللبنانية، وللديموقراطية اللبنانية، وللعدالة اللبنانية. ذلك أنّ هذه الإستنابات تضعف إلى حد كبير حجّة “حزب الله” في أنّ المحكمة الدوليّة مسيّسة، لأنّه إذا كان القضاء الدوليّ مسيّساً، والقضاء اللبنانيّ مسيّساً، فإنّ القضاء السوريّ الذي صار “حزب الله” يحتكم إليه هو قضاء له إستقلاليته، بحسب المادة 131 من الدستور السوريّ، لكن في ظلّ نظام محكوم، بحسب المادة 8 من الدستور نفسه، على قاعدة أنّ “حزب البعث العربي الإشتراكي هو الحزب القائد في المجتمع والدولة”.

    العنصر الثاني الذي يمكن للقوى الإستقلالية إستثماره لصالحها هو أنّ هذه الإستنابات تسلب “حزب الله” شعاره حول “شهود الزور”، بحيث يكون على “حزب الله” بعد ذلك إمّا التفتيش عن شعار آخر لخوض حملته ضد المحكمة (وهو تنقل هذا الصيف بين كذا شعار، من موضوع “الإتصالات” بعد إعتقال شربل قزّي، إلى موضوع “الفرضية الإسرائيلية” والقرائن، إلى طلب حصانة إفتراضية ما لا علاقة بها بمسألة شهود الزّور) وإمّا “إستغياب” القضاة والبرلمانيين والإعلاميين!

    في الوقت نفسه، فعلى القوى الإستقلالية ألا تضيّع البوصلة: الخصم الآن هو المشروع الإنقلابيّ الذي يقوده “حزب الله”، والذي يشكل أداة متقدّمة للإختراق الإيرانيّ لبلدان المشرق العربيّ. وفي هذا المجال بالتحديد، لم يعد مسموحاً للقوى الإستقلالية بأن تنتظر قدرياً بورصة التقارب والتباعد الإقليميين، بل عليها أن تساهم في النضال العربيّ من أجل أن تكون العلاقات بين أي دولة عربية وأي دولة عربية أخرى أكثر تطوّراً من العلاقة بين إيران النجادية وبين أي دولة عربية. بل أنّ هذا هو معيار العروبة في الوقت الحالي. إنّ تطوير العلاقات الديبلوماسية بين لبنان وسوريا يستلزم نضالاً طويل الأمد، وكذلك النضال من أجل تطوير العلاقات العربية العربية على حساب الإختراق الإيرانيّ للمشرق العربيّ، والحركة الإستقلالية اللبنانية لها دور طليعيّ في هذا المجال، على قاعدة صون القرار اللبنانيّ المستقلّ طبعاً، وحماية الخصوصيات “القضائية والبرلمانية والإعلامية” لديموقراطيتنا المكتفية بحدودها، ديموقراطيتنا القائمة في بلد واحد دون أي نوايا توسّعية، ودون أي إستعداد لتسليم لبنان للمشروع الإنقلابيّ المحرّك إيرانياً في الوقت نفسه.

    وسام سعادة
    جريدة المستقبل
    06.10.2010

    Leave a Reply