• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    عدالة هنا و«تسييس» هناك

    هل من شك في استقلالية “العدالة” السورية؟

    المستغرب في موضوع مذكرات الاعتقال الصادرة عن القضاء السوري بحق شخصيات سياسية وإعلامية وأمنية لبنانية، أن هذه المذكرات تحقّق عكس ما تسعى إليه. فهي تصدر تحت شعار تحقيق العدالة وفك الارتباط بين القضاء والسياسة، وبهدف مكافحة «التسييس» الذي يزعم خصوم المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، أنه أصاب تحقيقاتها وألقى بالشك على القرار الظني المنتظر صدوره عنها. لكن هذه المذكرات تقع في تسييس أكثر وضوحاً وصراحة، من خلال إقحام الملاحقة القضائية التي تقوم بها بالخصومة السياسية القائمة بين تلك الشخصيات المطلوبة الى الاعتقال وبين الحكم السوري.

    فحتى لو افترضنا صحّة الاتهام القائل بأنه كانت لفريق 14 آذار «مونة» على المحققّين ديتليف ميليس وغيرهارد ليمان، وهو ما دفع ميليس الى إصدار مذكرات الاعتقال بحق الضباط الأربعة، فماذا يمكن القول إذن عن العلاقة القائمة بين اللواء المتقاعد جميل السيد وحلفائه في فريق 8 آذار وبين مذكرات الاعتقال الصادرة من دمشق بحق خصومه اللبنانيين، وخصوصاً أن إصدار مذكرات كهذه مخالف للأصول اللبنانية التي تحول دون رفع مواطن لبناني دعوى قضائية ضد لبناني آخر أمام محكمة غير لبنانية؟ وإذا كانت تهمة «التسييس» تنطبق على المحقق الدولي الألماني الجنسية والمتهم بأنه صاحب ميول أربعة عشر آذارية، فما الذي يمكن قوله عن قاضي التحقيق السوري الذي أصدر المذكرات المذكورة، في الوقت الذي لا تخفي دمشق حقيقة نظرتها الى الفريق السياسي الذي تطاوله هذه المذكرات؟ وإذا صح ما يقوله السفير السوري في بيروت من أن مذكرات التوقيف لها «جانب قضائي صرف»، لا علاقة له بما هو قائم بين رئيس حكومة لبنان والقيادة السورية، فلماذا يفترض في الوقت نفسه تكذيب المسؤولين العرب والغربيين عندما يدافعون عن عمل المحكمة الدولية ويدعون الى انتظار ما سيصدر عنها قبل الحكم بإعدامها بحجة «التسييس»؟

    فوق هذا يعيد القضاء السوري بمذكرات التوقيف التي أصدرها دولاب العلاقة السورية اللبنانية الى ما كانت عليه في حقبة كان المؤمل انها انقضت الى غير رجعة. والحقبة هذه هي التي كانت فيها دمشق المرجعية التي يعود إليها الفصل في الخلافات بين اللبنانيين وترجيح كفة فريق على الآخر من خلال تزاوج النفوذ السياسي آنذاك مع القبضة الأمنية. في مرحلة كتلك كان طبيعياً أن لا يضطر القضاء السوري الى إصدار مذكرات اعتقال بحق لبنانيين، ولا كانت أي جهة لبنانية مضطرة لأخذ خصوماتها الداخلية الى قوس العدل في دمشق. فالقضاء اللبناني في تلك المرحلة هو الذي كان يتولى القيام بذلك، وفي حالات كثيرة كان يتم الفصل في النزاعات السياسية من دون حاجة للعودة حتى الى القضاء.

    تأتي مذكرات التوقيف السورية أيضاً في لحظة فائقة الأهمية قيل فيها ما قيل عن رعاية إقليمية سعودية سورية للوضع اللبناني بهدف إرسائه على قواعد سليمة تضمن حماية الوطن الصغير وتحصين علاقته بجارته الكبرى منعاً من العودة الى سلبيات المرحلة الماضية وما أدت إليه من إضرار بتلك العلاقات. ومن الطبيعي أن هذا الانزلاق الخطر الى المواجهة على الساحة اللبنانية، الذي بات يبدو وكأن لا عودة عنه، يشير الى أن تلك الرعاية باتت مهددة. فالتقارب في العلاقة السورية الإيرانية، الذي أكدته القمتان الأخيرتان في كل من دمشق وطهران، لا يترك مجالاً لكثير من التكهن في شأن مواقع القوة والنفوذ الحالية والمقبلة في لبنان.

    في مناخ كهذا لا يعود مستغرباً أن يُستدعى مواطنون لبنانيون للتحقيق وأن تصدر مذكرات بتوقيفهم من قبل القضاء السوري، ولو كان ذلك بعيداً عن الأصول القضائية اللبنانية، وغريباً في الوقت ذاته عما هو معتاد من قبل القضاء السوري نفسه. انها مرحلة حاسمة تقتضي الخروج على كل القواعد والأصول.

    الياس حرفوش
    جريدة الحياة
    05.10.2010

    Leave a Reply