• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    عـن “إذا”… مشــؤومة

    يوفر تاريخ الأزمات والمواجهات والحروب في لبنان “سهولة” خيالية لأي مراجع لها في تبيّن أو إظهار وجوه مقارنات “نمطية” لواحدة من أبشع الحقائق وأقساها وهي القابلية اللبنانية المذهلة للاشتعال، إن بفعل انفجار الغرائز الطائفية وإن “على الطلب” الخارجي. وهي حقيقة جعلت لبنان في تاريخه القديم والحديث “دولة قيد الانشاء” دوماً، فلم ترق دولته مرّة الى أدنى المعايير الطبيعية للدول العادية.

    ومع ان العوارض الظاهرة في بوادر الأزمة الحالية لا تختلف في الكثير منها عن تلك المقارنات، فإن “الجديد” الذي يدهش فيها، والذي يحمل سمة “الخروج على التقليد”، هو ان أمر العمليات للانفجار “الموعود” المشؤوم الذي يجري ارعاب الناس باحتمالاته الافتراضية ينحصر بكلمة “إذا”، الإداة الشرطية.

    على الأرجح لم يجر استنفاد معجم أدوات الشرط ورفع هذه الـ”إذا” حصراً في تاريخ الأزمات مثلما حصل ويحصل في فصول المبارزات المتصاعدة دفاعاً عن المحكمة الدولية وهجوماً عليها منذ أكثر من سنة. وكانت المصيبة “الوطنية” لتهون لو أن الأمر يتصل فقط بعارض إنقسامي تعبيري على ضفتي الهجوم والدفاع، لكنها تتجاوز هذا البعد التبسيطي الساذج (مع أنه في معايير العالم الذي “يحسد” لبنان بُعد ديموقراطي) الى جوهر الآفة الجديدة المحمولة على ظهر هذه الأزمة الزاحفة. فتحت وطأة الـ”إذا” المرعبة هذه، ينام اللبنانيون ويصحون على “وعد بالانفجار” الاستباقي هذه المرّة، لا حاجة معه الى انتظار السبب “التقليدي” وشرارة المسبب لأن الآية غدت معكوسة، والنتيجة ستسبق الفعل. بمعنى أوضح، وضعت “آليات” الصدام عملانياً وحسياً على فرضية صارت، لفرط الامعان في تكرارها والتشديد على “مضامينها” قبل أن يثبت اي أمر نهائي، هي الحقيقة التي لا جدل فيها.

    وبذلك، فإن ما يجري، وبصرف النظر تماماً عن “ساعة الحقيقة” وكشف المستور وكشف النيات الداخلية والاقليمية والمدى الذي ستذهب اليه في قابل الأسابيع والشهور، هو “إعداد” اللبنانيين وتأهيلهم وتحفيزهم للحريق الموعود، لأن الـ”إذا” لم تعد اداة شرطية أو تعبيراً افتراضياً بل نُفخت وعُملقت الى مستوى اسطوري باتت معه تكتنز فعل الانفجار الاستباقي بكل شروره المدمرة.

    هذه المحكمة الدولية ليست تطوراً عادياً بسيطاً بطبيعة الحال. وهذا القرار الظني لن يكون “سحابة صيف” بالمعنى التبسيطي وحتى القانوني والقضائي أيضاً. وأي تقليل أحمق لأثرهما لا يساهم إلا في اعطاء المغالين في التهويل “مشروعية” سياسية في النمط التهويلي. لكن استعادة سليقة التخوين في مجريات أزمة المحكمة ورشق مؤيديها بالصهينة والأمركة لتسويغ انفجار “محتمل”، سواء ظل افتراضياً أو تحول فعلاً قهرياً مدمراً، يرتب على الفريق المهاجم مسؤولية عملية مزدوجة في اللحظة الحالية على الأقل: مسؤولية دفع الفريق المدافع الى التنصل تماماً من تفهم هواجس الخصم – الشريك وقطع الخيط الرفيع المتبقي أمام أي احتمال لاحتواء هذا الاستحقاق الشديد الصعوبة والخطورة من دون تدمير الهيكل على رؤوس الجميع. ومسؤولية تضييع الفرصة المشروعة بالكامل للدفاع في وجه أي ظلم مفترض او خروج محتمل عن معايير العدالة المجردة القاطعة تحت وطأة فوضى أو انفجار يطيح بكل القضايا المحقة وبكل الحقوق على ضفتي هذه الـ”إذا” التي وضعت لبنان تحت أحكامها المسبقة كأنها القضاء والقدر والمحكمة والمحكومين والمتهمين والضحايا سوءا بسواء.

    والأنكى من ذلك، ان المحكمة الدولية لم تكن مرّة ويجب ألا تكون في مطلق الأحوال “عقيدة” او “ايديولوجيا” او “مفهوم حكم”، على غرار المسببات التي لعبت أدواراً في تفجير أزمات لبنان وحروبه، فاذا بها الآن تدفع بقوة الى هذا المستوى بفضل مفبركي الـ”إذا”.

    نبيل بومنصف
    جريدة النهار
    04.10.2010

    Leave a Reply