• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    يهود لبنان المغادرينه هل حسناً فعلوا؟

    الكنيس اليهودي في وسط بيروت، قبيل البدء في عملية ترميمه

    اليهود في لبنان، موضوع شائك وحذر. الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين سمّم أجواء المنطقة وغيّر مصائرنا: بشراً ودولاً ومناطق. ليلى مراد التي سحرت الألباب وساهم صوتها في تطوير الغناء العربي وفي تحرير العواطف من الكبت مثلما فعلت أسمهان، تعرّضت للاتهامات بعد ثورة يوليو وتحديداً بعد عدوان 1956 بدعوى انها تبرعت للجيش الاسرائيلي. وظل اللغط يلاحقها مع ان التحقيق أثبت براءتها. ما جعلني أذكر ليلى مراد أغنية أمل شوقي، المطربة اليهودية اللبنانية التي قدمت أغنيتها ندى عبد الصمد في فيلمها “يهود لبنان، الولاء لمن؟”، وهاجرت الى إسرائيل مع زوجها المغني اللبناني سليم بصل.

    فيلم ندى عبد الصمد يدنو من عالم اليهود اللبنانيين الذين اضطروا للمغادرة “في ليل ما فيه ضو قمر” على ما يقال. ليس بسبب القمع. رحيلهم كان بسبب شعورهم بصعوبة البقاء بعد كل هذا العنف والدمار الذي تسببت به إسرائيل، خاصة في حرب 1967. انسحبوا حتى اختفوا نهائياً وكأن اختفاءهم أراح الذاكرة من عناء البحث عن مصيرهم فتم نسيانهم كأن لم يكونوا إلى أن بدأت ندى عبد الصمد بالاهتمام بالموضوع في كتابها في البداية ثم في الفيلم. وفي الحالتين تبدو غاية ندى الابتعاد عن السياسة عبر البحث عن المشاعر الانسانية في الذكريات وعبر تقديم الأمكنة: الحارات والمقابر والبيوت والكنيس في بيروت، وذلك الذي في صيدا والمسكون من عائلات لبنانية. لكن ليست جميع الوجوه مثيرة للحنين فالمؤثرة منها خاصة وجه داني لينيادو التي هاجرت الى البرازيل بعد بدايات الحرب في 1975 في سيارة فيها تنويعة من المسلحين المتعددي الانتماء لضمان سلامتهم. تبكي عند تسلمها الكتاب الذي عثرت عليه ندى بسبب عملها التوثيقي، وتقرأ منه كلمات والدها التي يوجهها اليها. مؤثر أيضاً ابن إيليا بصل الذي يحتفظ في خزانته في كندا ببذلة والده مفوض الشرطة اللبناني في أحسن حالاتها. أيضاً آلان عبادي بدا ظريفاً وجعل يتذكر اللغة العربية ولهجته اللبنانية وكأنه يستعيدها فيما يتحدث أمام الكاميرا، ويشاهد المحطات التلفزيونية اللبنانية كأنه يبحث عن حفظ حنينه من التلف؛ حتى أنه ذكّرنا بأغنية رشيقة وحداثية جداً نكاد أن ننساها: “عبدو حابب غندورة”.

    لكن وجه ماركو مزراحي البارد المحايد الذي يسرد الأحداث كأنها حصلت لشخص آخر، يعيدنا إلى جوهر الصراع العربي – الإسرائيلي او اللبناني – الإسرائيلي. لا تتضح خلفية ماركو تماماً في الفيلم، لكن الكتاب يقوم بذلك. فحكاية سليم مزراحي اليهودي وماري السمن المسيحية المناضلين الشيوعيين اللذين تزوجا وانجبا 7 بنات وصبيا واحدا، تظهر كيفية وقوع اليهود تحت اغراءات الجمعيات الصهيونية في ظل رفض المجتمع المبطن ونظرته المشككة نسبياً خاصة بعد اكتشاف جاسوسية الجميلة شولا كوهين. لاحقتهما الجمعيات اليهودية واغدقت الوعود لحثهما على الهجرة والتكفل بتزويج البنات ودفع تكاليف مراسم الزواج ومتطلباتها. جعلتهم يوقعون عقدا يلزمهم البقاء 3 سنوات واذا قرروا الهجرة من اسرائيل عليهم ان يسددوا التكاليف التي تكبدتها الوكالة. ومن بينها السفر والاقامة في قبرص… الذهاب الى اسرائيل عنى ان العودة مستحيلة. رحلت تلك العائلة عام 1967 مع ابنها الوحيد ماركو الذي تجند في الجيش الاسرائيلي وعاد يسأل عن “تانت حنة” عند الاجتياح. ربما بتكليف من الأم. وهكذا تحول ابن الرفيقة ماري والرفيق سليم عدواً مقاتلا على الجبهات ضد العرب؟

    ماركو هو الأكثر بعداً وإثارة للشك! بسبب إبدائه استعداده لقتل لبناني في حالة الحرب! وهو ربما فعل ذلك!! لماذا؟ وهل كان ذلك بسبب الريبة في اسرائيل من اليهود الآتين من الدول العربية؟ لماذا إذن يستسهل هذا القتل في الوطن الذي ولد فيه؟ ثم ما الذي دفعه الى دخول الجيش الإسرائيلي في الأصل؟ صحيح أن الطائفة اليهودية اندثرت في لبنان، ولم يبق منهم سوى بضع عشرات لكن ذلك لم يعنِ ان يهود لبنان تبرأوا من انتمائهم الى وطنهم او الغالبية على الاقل. هذا ما نستشفه من الكتاب ومن الشخصيات الأخرى في الفيلم.

    إذ تجدر الإشارة إلى أنه عندما اجتاحت إسرائيل لبنان ودخلت العاصمة بيروت صيف العام 1982، عرضت الحكومة الإسرائيلية الهوية الإسرائيلية على من تبقّى من اليهود اللبنانيين. وبحسب تقرير صدر عن الصحيفة اليومية البريطانية ذو تايمز” The Times في آب من ذلك العام، لم يقبل أي يهودي لبناني بهذا العرض. من ناحيتها، أكّدت ليزا ذلك بقولها “عُرضت عليّ الهوية الإسرائيلية، عندما أتى آرييل شارون إلى بيروت. ولم أكن الوحيدة التي رفضتها آنذاك. لن أكون إسرائيلية أبداً”. في الواقع، لم تكن الصهيونية جذابة بالنسبة إلى غالبية اليهود العرب الذين هربوا إلى إسرائيل، لكن لم يكن أي بلد آخر مستعدا لاستقبالهم كلاجئين بعدما أثاروا حذر وريبة مواطنيهم في البلدان التي تركوها بسبب عنصرية وعدوانية إسرائيل.

    فتاريخ لبنان الدامي بين الطوائف لم يشمل الطائفة اليهودية التي حظيت بحماية كفلها القانون إسوة بسائر الطوائف بعد أن بلغت ذروة ازدهار وجودها في لبنان مع تأسيس لبنان الكبير في العام 1920. وقد حظيت هذه الطائفة كغيرها من الطوائف اللبنانية بالعديد من الامتيازات ما عدا السياسية، اذ لم يخصص لها اي مقعد نيابي في قوانين الانتخاب المتوالية. لكن يهود لبنان سبق ان انتخبوا مندوبين لانتخاب اعضاء المجلس النيابي وفق قوانين الانتخاب التي عمل بها بين 1922-1934. وكان قد اعترف بها في العام 1911 بواسطة فرمان صادر عن السلطة العثمانية. واعطاها الحقوق التي منحت للطوائف الاخرى.

    ومع حلول نكبة فلسطين ازدادت الهجرة اليهودية من الدول المجاورة الى لبنان الذي بات البلد العربي الوحيد الذي زاد عدد اليهود فيه بعد النكبة. في المقابل كان عدد الذين غادروا الى اسرائيل في تلك الفترة قليلا وسط ازدهار متنام عرفته تلك الطائفة التي انخرط ابناؤها في عالم المال والاعمال والصحافة. لم تحصل الهجرة اليهودية إلا بعد حرب 1967 ومع اندلاع الحرب الاهلية اللبنانية عام 1975. وقد غادر آخر حاخام لبنان في عام 1978.

    وفي ظل الوضع المتأزم والتخوين السهل الذي نعيش، أسأل نفسي الآن: هل حسناً فعلوا؟!

    منى فياض
    جريدة النهار
    02.10.2010

    Leave a Reply