• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    ليست كأي جولة…

    في لبنان موسم ضجيج، يسمونه معركة إسقاط المحكمة الدولية، وفيما الصخب يلجم العقل، والقلق الأكبر هو على إسقاط وطن التعايش، تتوارى السياسة مجدداً، فلا تبقى سياسة أمام سيل الوعيد والشتائم. عضلات منتفخة وألسِنة منفلتة، ولبنانيون مهددون بـ «التفحّم» (من لون الفحم) لأنهم يسعون الى الحقيقة، ولكن على خطوط التوتر العالي.

    هي جولة جديدة صاخبة، ولكن ليست كأي جولة من الصراع المرير بين «تيارين» ومشروعين، لكل منهما رؤى وأهداف، بات أكيداً ان كل ما فعلته طاولة الحوار لم يستطع اختزال المسافات بينها. والعودة الى النقطة صفر هذه المرة، تعني لفريق «حزب الله» بكل بساطة: مَن ليس معنا، ليس ضدنا فحسب، بل مع المشروع الأميركي – الإسرائيلي و «أداته المحكمة».

    فلتكفّ الأقلام إذاً عن استحضار المحكمة وطلب الحقيقة التي خطفها مَن اغتالوا الشهيد رفيق الحريري ورفاقه… ولتكفّ العقول عن التفكير لأنه مهمة الغير الذي صنّف اللبنانيين معسكرين، فباتوا جميعاً في خندقين. وأما الرمادي فهو ذاته الإسرائيلي – الأميركي الذي كلما توارى مع تسوية أزمة ما، انتصب مجدداً كالسيف.

    في هذه الجولة، ربما تتجلى بأخطر الصور معاني التصنيف القسري الذي يغيّب إرادات البشر. ساهم فيه بالطبع، الانقياد الجماعي وراء رغبة الزعيم وصوته وصورته ولسانه، ولو ارتكب خطيئة… فيما «الكفر» عينه هو ما ينطق به الزعيم الخصم. ولأن الصراع يتطلب مفردات جديدة كلما احتدم، تهبط لغة السياسة الى درْك الشتيمة والعضلات، ويتحول بلد السياحة والخدمات، الى بلد الفحم والفتنة الكبرى.

    في لبنان، البلد الذي احتضن دعاة القومية العربية قبل صعودها، وعانى عقوداً ووحيداً على خط الجبهة المتقدمة مع إسرائيل، باتت تهمة العمالة والتجسس الخنجر الجاهز لمقارعة الخصم، والذي لم يشهد أي بلد عربي آخر مثيلاً له. سهل لمن يستلّه أن يتناسى تغنيه بالوحدة الوطنية، بعد جولة حوار أو بيان وزاري، سهل للجميع أن يتناسى بعد جروح 7 أيار (مايو)، حقيقة صيغة المرحلة الانتقالية التي دشّنها اتفاق الدوحة، وجعلت للبنان قدماً في واحة اتفاق الطائف، وقدماً أخرى في… المجهول.

    الجميع أمام الحائط، المحكمة أو الوطن. في «أدبيات» الساسة وديباجات الشتائم والطعن في الضمائر والذمم، يصبح التهديد مفردة مشاعة، في ما كان يُسمى مختبر التعايش بين 18 طائفة. اليوم أقصى الطموح قبول معادلة تساوي مصير لبنان بمساكنة بين تيارين. قبول الآخر لم يعد من الأركان اللازمة لحماية الوطنية، تماماً مثلما ان الديموقراطية قد تكون شعاراً يتسلل خلفه العملاء!

    والحال ان معظمنا معرّض في قفص اتهام، بعدما أسقطت «الوطنية» أي ستار حماية، وإن كان طائفة أو فكراً لا يلوذ بسطوة زعيم. لم يعد بإمكان اللبناني ان يكون مع المحكمة وضد إسرائيل في آن، مع المحكمة وضد شهود الزور… لم يعد متاحاً له ان يكون مع المحكمة الدولية والمقاومة في آن. منذ استبق «حزب الله» القرار الظني، وهو يرى الأولى «مؤامرة» لقتل الثانية.

    ألم يُقل ببساطة «انسوا رفيق الحريري»، مدخلاً لحفظ وحدة لبنان من الفتنة التي تسعى الى رأس المقاومة؟ ولكن، إن لم يكن ما يشهده البلد اليوم فتنة كبرى فماذا عساه يكون؟

    لم تعد السياسة سياسة، منذ هيمنت لغة الحقيقة الوحيدة المطلقة، وعضلات اليد واللسان، وقطع الأيدي وتشريح النوايا، والقصف على الذمم، وتشويه السمعة، واستنساخ العمالات، وتورية المبطّن بالصراخ، واستدراج الرموز (أي رموز) قسراً الى التشكيك بالآخر، واستنزاف آمال الناس بغدٍ لا تهدده حروب أبدية.

    لم يعد الإعلام إعلاماً للحقيقة وعلماً للديموقراطية، منذ خطفت أصوات الساسة صوته وصورته. بات منبراً لتبادل «الرسائل»، وتسريب سيناريوات القوة، وبالونات الاختبار… بل لم يعد العقل وعياً منذ صدّق ساسة لبنان أن بإمكانهم أخذ دفته حيث يشاؤون، وما على العالم إلا ان يهبّ لنجدته كلما قادوه الى حافة الهاوية.

    وإن كان الهدف الآن إسقاط المحكمة وبعدها الحكومة، وربما النظام السياسي وتبديل هوية البلد، فالأمر لدى المنحازين الى التشاؤم، أن لبنان بات مهدداً بخيارين: غزة ومقديشو، أو مقديشو وغزة.

    زهير قصيباتي
    جريدة الحياة
    01.10.2010

    Leave a Reply