• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    تهديد جديد للأمن والسلم العالميين

    كيف يكون انقلاب في بلد محكوم برزمة قرارات دولية؟ ليس الأمر بديهياً

    جريمة 14 شباط 2005 والجرائم الأخرى التي تلت هدّدت فعلاً السلم والأمن العالميين. ما جرى كان حرباً إرهابية. لأوّل مرة في التاريخ جرى استهداف قرارات الشرعيّة الدوليّة بهذا الأسلوب. هذا على صعيد منظومة المجتمع الدوليّ وقيمها. أمّا على مستوى التوسع الديموقراطيّ شرقاً، كانت الحرب الإرهابية على “ثورة الأرز” ورجالاتها إيذاناً برفع نوعيّ في مستوى العنف الممارس بوجه إتساع رقعة “الثورات المخملية” التي بدأت في أوروبا الوسطى الشرقية ثم نفذت إلى جمهوريات الإتحاد السوفياتي السابق قبل أن تفد إلينا، وكانت الإغتيالات هي الحرب الإرهابية الأولى ضدّ أوّل ثورة مخملية في الشرق الأوسط، أي الثورة اللبنانية.

    ليسَ من قبيل الإنشاء اللفظيّ إذاً الحديث عن إغتيالات هدّدت الأمن والسلم العالميين. وفي الحقيقة، فإنّه لا سبيل إلى فهم إستحالة إلغاء أو تعطيل عمل المحكمة الدوليّة إلا بالنسبة إلى من هو غير راغب أو غير قادر على النفاذ إلى ما لتهديد الأمن والسلم العالميين من معنى ودلالة سواء على مستوى القانون الدوليّ أو على مستوى منظومة القيم الدوليّة أو على مستوى الحرب العالمية ضدّ الإرهاب أو على مستوى توسيع رقعة الإنتشار الديموقراطيّ على الصعيد العالمي.

    وإذا كانت الحال كذلك يوم جرت الإغتيالات، فإنّها اليوم كذلك وأكثر. من يهدّد الدولة ومؤسساتها وأجهزتها، ويهدّد قوى 14 آذار بقياداتها وقواعدها، ويهدّد مسار المحكمة الدوليّة، إنّما هو بكل بساطة يهدّد الأمن والسلم العالميين، أو هو على الأقل يجنح في هذا الإتجاه. فمن بنى حساباته سابقاً على أساس أنّ المجتمع الدوليّ لن يتدخّل، إنّما يعود اليوم ليكثر من رهاناته في هذا الإتجاه، في الوقت نفسه الذي يهدّد فيه “أي جماعة”، أي “أي طائفة” من المجتمع اللبناني، تلتزم القرار الظني، بأنه سيعاملها كـ”أداة للغزو الأميركي الإسرائيليّ”.

    والمشكلة هنا أنّ تلك المدرسة التهديديّة التي ورثت عن شموليي القرن الماضي عدّة النصب الأيديولوجيّة ومصطلحات هجاء الإستعمار والإمبريالية، لم ترث بعضاً من التنبيهات الأولى التي كان أعداء الإستعمار والإمبريالية يلتزمون بها قبل بضعة عقود.

    فالمدرسة الطاووسية منشرح صدرها اليوم لأنّ أميركا فشلت في المنطقة وغدت تجرجر خيباتها. ينبغي إذاً إقتناص اللحظة. هذه المدرسة لا تنفك تفسّر كلّ شيء بـ”نظرية المؤامرة”. مع ذلك لا يدخل في حساباتها يوماً واحداً أنّ من عادة الإستعمار أن يلعب “الغميضة” وأن يقتنص هو “غلطة الشاطر” عندنا. على الأقل، كان أعداء الإمبريالية من “اللينينيين” يعلمون ذلك. كانوا يعلمون أنّ الإستعمار يختفي فجأة، ويفاجئنا بظهوره فجأة. أمّا ورثتهم في العنف والشموليّة، الذين يرتكزون هذه المرّة على أيديولوجيا غيبية تزّين لنفسها أنّها أكثر براغماتية وحنكة، فلا يمكنهم وعي ذلك. منذ 2004 وإلى اليوم، بنوا كل حساباتهم على عدم توقّع أي ردّة فعل دوليّة أو غربية، وفي كل مرّة كانوا يتفاجئون. المفاجأة الأولى كانت قراراً دولياً. المفاجأة الثانية كانت محكمة دوليّة. وبعد ذلك تكاملت نظرية المؤامرة مع نظرية “لو كنت أعلم”.

    في الوقت نفسه، فإنّهم سيبقون غير قادرين على توقّع أي مفاجأة. هم يتعاملون مع “القرار الظنيّ” لا كمفاجأة، بل كتتمة للتصوّر الذي يبتنونه للسياسة وللعلاقات الدولية، وهو تصوّر يمكنه أن يتصوّر أي مفاجأة دوليّة مقبلة، وإن كان يحارب على الدوام “مؤامرة دولية روتينية”، مؤامرة مفتقدة تماماً لعنصر المفاجأة، تماماً مثلما يصوّر نفسه على أنّه إنعكاس لعفوية الجماهير ومنعش هذه العفوية البطولية بالمفاجآت.

    الآن يلتهي الشموليّون بوضع الخطط الإنقلابية. لكن القاسم المشترك بين كل هذه الخطط الإنقلابية أنّها لا تعر أيّ أهميّة للمفارقة الكبرى: وهي أنّ محكمة دولية قامت أصلاً لأنّ ثمة حربا إرهابية تهدّد الأمن والسلم العالميين لا تواجه بتهديد علنيّ للأمن والسلم العالميين.

    المفارقة الثانية، هي أنّ عالم ما بعد الحرب الباردة تراجعت فيه الإنقلابات العسكرية حدّ الإندثار، وأنّه منذ عقود عديدة تراجعت الإنقلابات حدّ الإندثار أيضاً في عالم عربيّ كان يزخر بها قبل أن ينتقل من مرحلة “التداول الإنقلابي على السلطة” إلى مرحلة “الإنقلاب الأخير والدائم”. وحده الإنقلاب الموريتانيّ شذّ عن القاعدة إنّما ليعود فيؤكّدها.

    مع ذلك، ثمّة من يعمل على تدبير إنقلاب في لبنان، أي في البلد المحكوم بالقرارات 1559 والـ1680 والـ1701 وبالمحكمة الدولية والذي تتواجد فيه طوائف مسيحية وإسلامية متعدّدة وقوات دوليّة من كذا دولة فضلاً عن إلتزامات عربية باستقراره تصل ما بين إتفاقي الطائف والدوحة.

    من يفكّر بالقيام بإنقلاب في لبنان جريء إذاً من هذه الناحية. لأنّ إذا كان إنقلابه ممكن النجاح في لبنان فهذا يعني أنّ الإنقلاب على الشرعية الدولية صار قاب قوسين أو أدنى، أي تماماً مثلما كان إجتياح موسوليني للحبشة إنقلاباً على عصبة الأمم، إذا ما شئنا الإستعانة بكتب التاريخ المدرسيّ.

    وسام سعادة
    جريدة المستقبل
    01.10.2010

    Leave a Reply