• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    اقتحام الدولة

    دعونا لا نكذب على بعضنا. نحن اليوم في لبنان نعيش في مرحلة ما قبل قيام الدولة. الدولة تكون فيها عادة مؤسسات يلجأ اليها الناس فتحميهم وتوفر لهم حقوقهم وتفرض عليهم الواجبات بالتساوي. في مرحلة ما قبل الدولة، أي في المَزارع فقط، يستقوي القوي على الضعيف، فيفعل ما يشاء من غير اعتبار لقيمة او حرمة او قانون.

    لهذا لا نستغرب ان يصبح القضاء في لبنان، وهو بالمناسبة واحدة من المؤسسات، بضاعة معروضة في سوق المزايدات. ولا نستغرب كذلك ان يصبح الأمن خاضعاً للتراضي، حيث اصحاب القوة والنفوذ هم الذين يفصّلون الأمن على قياسهم، فيما يلجأ الضعيف الى من يحميه بين ابناء عشيرته او بين ابناء الحارة المجاورة، طالما ان المؤسسات الأمنية لا تعتبر ان حماية الناس هي من بين وظائفها.

    قيل الكثير في الأيام الماضية عن فلتان الأمن وعن سطوة القوة على القانون وعلى المؤسسات، تعليقاً على ما حصل في مطار بيروت خلال استقبال الضابط المتقاعد اللواء جميل السيد، المطلوب للتحقيق معه بتهمة تهديد رئيس الحكومة. لكن ما لم يُقل، وما لم يكن مفترضاً أن يثير الاستغراب، هو ان تلك الحادثة، وهي فعلاً كذلك، ليست سوى عارض ظهر فجأة على الجسم المريض، لكنه مجرد عارض لداء متفاقم، اسمه غياب الدولة. ذلك انه لم يكن سراً ان الفريق الذي «اقتحم» المطار، بحسب وصف بعض وسائل الإعلام، لم يكن وليد البارحة. ولم يكن سراً كذلك ان اجهزته الأمنية والقضائية، فضلاً عن الإعلامية والحزبية، هي اجهزة مقيمة على حدود الدولة، أي خارجها، وتملك الأدوات التي تخولها الانقضاض عليها، اذا دعت الحاجة، او اذا كانت هناك ضرورة لتوجيه رسالة معينة، مثلما حصل من خلال تلك الحادثة.

    قبل ذلك، كان هناك «الاستنساب» القضائي، الذي اشاعه حديث رئيس الحكومة سعد الحريري عن شهود الزور والدور «السلبي» الذي لعبوه في تحقيقات المحكمة الدولية الخاصة بلبنان. كل ما فعله ذلك الحديث، بدل ان يُبلغ الرسالة التي كان ينوي ايصالها، انه صب زيتاً اضافياً على نار التشكيك بعمل تلك المحكمة، وأدخل القضاء، المحلي منه والدولي على السواء، في دائرة التساؤلات، خصوصاً أن الفريق الذي يفترض أن يحسم عادة في مسألة شهود الزور وغيرها من المسائل القانونية، ليس الفريق المعني بالتسويات السياسية، اي الفريق الحاكم، وليس حكماً الفريق المتضرر من الجريمة، اي فريق «ولي الدم».

    حيث تقوم الدولة بالمعنى الحقيقي لها، ينفصل عمل المؤسسات عن بعضها. فيتولى القانونيون شؤون القضاء ويتولى الأمنيون شؤون الأمن ويتولى السياسيون شؤون السياسة. اما ما يحصل اليوم في لبنان فهو يهدف الى ابلاغ من لا يزال في حاجة الى ابلاغ ان شؤون القضاء والأمن والسياسة كلها خاضعة في مكان ما للصفقات وللتسويات. ولهذا لا يعود منطقياً الطلب الى من «يقتحم» المطار بالامتناع عن «اقتحامه»، فيما الدولة كلها مشلولة وعاجزة ومنقسمة على نفسها. اجهزتها مقتَحَمة من الوريد الى الوريد، بالقوة والعنف تارة، وبسطوة النعرات الطائفية والمذهبية تارة اخرى، وبالانحناء امام املاءات الخارج ومصالحه في كل المرات.

    الياس حرفوش
    جريدة الحياة
    21.09.2010

    Leave a Reply