• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    المقاربة العشوائية لا تُحقّق العدالة

    كان يجب انتظار المؤتمر الصحافي الذي عقده اللواء جميل السيد في بيروت، وعودته «المظفّرة» من باريس الى بيروت واستقباله بعراضة سياسية ومسلحة من قبل حزب الله لنقول بأننا اجتزنا بالفعل آخر خطوة تفصل ما بين الدولة الفاشلة وحالة «اللادولة». ان ما حدث بين اول امس في مطار بيروت وما سمعناه في المؤتمرين الصحافيين للواء السيّد يؤشر الى سقوط منطق القانون ومعه جميع مؤسسات الدولة بما فيها المؤسسات القضائية والأمنية، بالاضافة الى «الحرمة» الدولية التي يفترض ان يتمتع بها مطار رفيق الحريري الدولي. فالمطار لا يخضع فقط للقانون اللبناني، وما يفرضه من قيود وفرائض يجب احترامها من قبل مستعمليه او مرتاديه بل يقع ايضاً تحت وصاية مجموعة من القوانين الدولية التي تنظّم سلامة الطيران المدني، وتحمي المسافرين والطائرات من العبث الامني، والتصرفات المتفلتة من رقابة اجهزة الملاحة والأمن المكلفة بحماية المطار.

    خطا حزب الله خطوة خطيرة من خلال قراره بدخول مجموعات مسلحة الى حرم المطار دون اي تنسيق مع جهاز أمن المطار، او مع دوائر البروتوكول في الخارجية. ستؤثر هذه التصرفات غير المستقيمة وغير المسؤولة على سمعة المطار، وقد يدفع ذلك المنظمات الدولية التي تعنى بسلامة الطيران والمطارات الى توجيه اسئلة الى الحكومة اللبنانية عن فعالية اجهزة الامن والرقابة المسؤولة من المطار، كما انه قد يدفع ببعض الشركات العالمية الى التفكير جدياً بوقف رحلاتها الى بيروت.

    لا يقتصر الامر على الضرر «الجزئي» الذي لحق بسمعة مطار بيروت بل يتعداه الى السلوكية التي يعتمدها حزب الله او جمهوره تجاه المطار وسلامة وحرية المرور على الطريق المؤدية اليه، والتي دفعت ببعض الصحف العربية والدولية للتساؤل عن مدى تحويل الحزب للمطار الدولي الى مربع من مربعاته الأمنية.

    يبقى الضرر الذي حدث في المطار وعلى الطريق المؤدية اليه ثانوياً اذا ما جرى مقارنته بمفاعيل «الصخب» السياسي الدائر منذ اسابيع على خلفية القرار الظني للمحكمة الدولية والاشكالية الكبرى المتعلقة بـ«شهود الزور» بعدما تحوّل الامر الى مدخل للطعن بالمحكمة الدولية، وبالمطالبة جهاراً بالغائها. دفع التراشق السياسي ا لحاصل بين حزب الله بمساندة قوى من تجمع 8 اذار مع تيار المستقبل وقوى 14 آذار البلد للدخول في عاصفة سياسية تؤسس لفتنة عامة حقيقية. يؤشر فلتان الخطاب السياسي، والسلوكيات غيرالمسؤولة التي تضطلع بها بعض فئات «المعارضة» الى مدى تدهور روح المسؤولية الوطنية، والى تجاوز كل الاعراف السياسية والضوابط القانونية التي تشكل المظلة الواقية للسلامة والامان الوطنيين.

    سيؤدي الاستمرار في هذا المنحى التصعيدي الى تصفية ما تبقى من مؤسسات الدولة «العاجزة» وخصوصاً المؤسسات الأمنية والقضائية، والتي تشكّل العمود الفقري لهيبة القانون، كما انه بات يهدد بدفع البلاد الى ازمة سياسية حادة تطيح بالحكومة، مما سيفتح المجال للاحتكام للشارع في محاولة جديدة تشبه ما حدث عام 2007، حيث لجأت قوى المعارضة الى احتلال وسط المدينة في مبادرة لاسقاط الحكومة والاستيلاء على السلطة.

    لم ينجح حزب الله في رأب الصدع السياسي والنفسي الذي تسبب به اجتياحه للقسم الغربي من مدينة بيروت سنة 2008. لقد تسبب هذا الاجتياح بانقسام نفسي وسياسي عامودي ما بين السنة والشيعة في لبنان. وليس من باب المغالاة، يمكن الاستنتاج بان مفاعيل هذا الاجتياح ستبقى ماثلة في ذاكرة أكثرية اللبنانيين لعقود مقبلة. لا يمكن لحزب الله تكرار تلك «المغامرة» مستغلاً قدراته العسكرية دون دفع البلاد فعلياً الى تلك التجربة القاسية التي خاضها قسم من اللبنانيين لمواجهة حالة «الفلتان» المسلح الذي شكلته الثورة الفلسطينية خلال عقد السبعينيات.

    ستؤدي الضغوط السياسية والامنية، بالاضافة الى استباحة حقوق الدولة وسياسة اضعاف وفرط مؤسساتها الامنية الى تخريب موازين العقد الاجتماعي القائم بين اللبنانيين، والى شعور بعضهم بحالة من الشك والخطر بما يستدعي البحث عن وسائل تؤمن تصحيح الخلل الواقع في موازين القوى بين الفريقين، وسيؤدي ذلك حتماً الى استقدام المزيد من السلاح للداخل، وبالتالي التهيئة لمواجهة مسلحة لن تكون في صالح لبنان او اي من الفرقاء، وستكون المقاومة المتضرر الاساسي منها.

    في معرض استرجاع شريط ما حدث خلال الاسابيع الماضية لا بد من التساؤل حول العقلانية التي استعملها البعض للضغط على سعد الحريري لدفعه الى التنكّر لدم أبيه من خلال ادانته لقرار ظني لم يكتب بعد او من خلال مطالبته بالغاء المحكمة الدولية لم تنعقد بعد؟

    لا يمكن ان تعالج تعقيدات قضية بحجم اغتيال الرئيس رفيق الحريري، من خلال مثل هذه المقاربة العشوائية التي اعتمدت، والتي ارتكزت على المزايدات السياسية الفارغة من اي مضمون قانوني او من أية قرائن تصلح لتغيير وجهة التحقيق الدولي. في الجرائم السياسية غالباً ما يسبق الحكم الشعبي على الحكم القضائي، ومن هنا فان خطورة الحكم الشعبي تتطلب اعتماد العقلانية الراجحة في البحث عن خطط للرد على الشبهات ومواجهة التسريبات. وكان يمكن لحزب الله ان يتعلم بعض الدروس العبر من التجربة التي اعتمدتها سوريا في الرد على الاتهامات التي حملتها مسؤولية اغتيال الحريري في بداية التحقيق. لقد كلفت القيادة السورية مجموعة كبيرة من المحامين وخبراء القانون السوريين والدوليين للرد على هذه الاتهامات، وقد نجح هؤلاء في تأدية المهمة التي اوكلت اليهم تحت سقف الاعراف الديبلوماسية والاصول القانونية التي ترعى تشكيل وعمل المحاكم الدولية.

    لا يمكن تفسير الحاح حزب الله بمطالبته لسعد الحريري بضرورة محاكمة «شهود الزور» في لبنان قبل صدور القرار الظني، حيث يمكن ان يقدم القرار الظني جردة لفرز كل الشهود الذين استمع اليهم التحقيق بين صادق وكاذب.

    وبالقياس نفسه فانه يمكن اعتبار الدعاوى التي تقدّم بها اللواء السيّد لطلب محاكمة «شهود الزور» في سوريا ولبنان وفي فرنسا وامام المحكمة في لاهاي سابقة لاوانها، حيث تستبق ما سيعلنه القرار الظني عن نتائج التحقيق.

    لا يمكن في القضايا القانونية وخصوصاً في قضايا خاضعة لنظر المحاكم الدولية اعتماد المقاربة العاطفية للرد على «الظلم» الذي يشعر اللواء السيّد بانه قد اصابه جراء توقيفه لفترة طويلة. من المفترض ان يدرك اللواء السيّد ومحاموه ما سيواجهونه من تعقيدات من اجل تحضير الملفات والمواد اللازمة لبناء قاعدة صلبة تؤسس لمحاكمة سليمة. كماكان من المفترض ان يدركوا استحالة استحضار الاشخاص المعنيين بالدعوى امام المحكمة، وهم يدركون دون شك بأن الاحكام الغيابية لا تحقق العدالة التي يبتغون احلالها.

    وهنا لا بد من استفسار قيادة حزب الله عن مغزى تبنيه للمقاربة العاطفية التي يعتمدها اللواء السيد من اجل رفع الظلم الذي لحق به، في وقت يدرك فيه الحزب مدى الضرر السياسي والشعبي الذي يمكن ان يتحمله جراء العراضة السياسية والامنية التي قام بها في مطار بيروت، والتي ستؤثر سلباً على موقعه السياسي داخل الحكومة، كما ستؤثر، بشكل دراماتيكي ، على موقف الناس من الحزب والمقاومة. وهنا لا بد من لفت قيادة الحزب الى ردود الفعل الغاضبة التي جاءت من مناطق مختلفة من لبنان، تمثل شرائح كبرى من الرأي العام السني والمسيحي.

    في السياق نفسه لا يمكن تبرير منطق الصخب السياسي الذي واجهت به بعض قيادات 14 آذار ما جرى في مطار بيروت او في معرض ردها على الحاح حزب الله بالمطالبة بمحاكمة شهود الزور.

    تقضي الحكمة بان يعود الفريقان الى رشدهم واعتماد مقاربات واقعية لتصحيح المسار السياسي وخصوصاً ما يعود منه للقرار الظني او شهود الزور، مع الأخذ بعين الاعتبار بأن المحكمة الدولية لم تعد شأنا لبنانياً، وبان التعاطي معها لا يكون من خلال مقاربة عشوائية او منطق المكابرة، بل من خلال خطة حكيمة يقودها فريق واسع من الخبراء القانونيين.

    اما عن البعد الخارجي لعراضة التراشق السياسي فانه على الجميع الاتعاظ من تجارب الحروب الماضية، وبالتالي الكف عن دفع البلد ليكون جائزة ترضية في اية تسوية اقليمية مقبلة.

    نزار عبد القادر
    جريدة الديار
    21.09.2010

    Leave a Reply