• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    الفاشية الثالثة هي الأخطر لأنها تستهدف المضادات الأخلاقية للمجتمع

    عبادة الزعيم وتمجيد العنف وتقسيم الناس ونظرية المؤامرة عناوين متعارضة مع الوجود اللبناني

    ثمّة نزعة فاشيّة تتربّص بهذا البلد منذ نشأته ويجري توارثها من مشروع إلى مشروع لكنّها انتقلت منذ بضع سنوات إلى طورها الأخطر، وقد نكون اليوم عشية لحظة بلوغها نقطة الذروة.

    والفاشية في منطوقنا هذا ليست مجرّد نعت للتراشق أو للهجاء. إنّها نزعة انتابت بشكل عضويّ حركات سياسيّة متعدّدة ومختلفة ومتعاقبة في تاريخ هذا البلد. وهي تقتبس سمات أساسية عن الحركات الفاشية كما ازدهرت في عصر الفاشية الأوروبية. أوّلاً عبادة الزعيم الفرد الملهم المفدّى الذي يعلم كل شيء والذي لا يخطئ والذي يجسد الأمّة جمعاء ويقودها كأنّه الرأس وهي البدن. وثانياً تمجيد العنف لا كوسيلة بل كغاية في حد ذاتها، أي كمصدر لكل شرعية وكل قدسية وكمصدر يعاد فرز المجتمع اللبنانيّ على أساسه بين أبطال وخاملين وغافلين وخونة. وثالثاً بناء منظّمات حربيّة أو قتاليّة شبه نظامية خارجة عن سلطة الدولة وعن مبدأ إحتكار الدولة لمنظومة العنف الشرعيّ. ورابعاً تبنّي نظريّة المؤامرة كمدخل لتفسير التاريخ كما السياسة، بحيث يعتبر الأخصام مجرّد بيادق يحرّكها عدوّ خفيّ ثابت لم يتغيّر منذ غابر الأزمنة، وإنّما تلوّن واتخذ ألف وجه ليستر حقيقته الشريرة اللامتبدّلة. وخامساً تبرير أيّ شتيمة منظّمة، وأيّ جريمة منظّمة، وأي كذب منظّم، على قاعدة أنّ كل شيء مباح لمحاربة نظريّة المؤامرة.

    في الثلاثينيات والأربعينيات، عرف البلد المشروع أو البرنامج الأوّل لإقتباس الفاشية الأوروبية شرقاً. ما ميّز هذا الإقتباس الأوّل أنّه لم يكن فئويّاً رغم صدوره عن منزع أقلويّ “تستّري” و”هجوميّ” في آن، بل جهد كثيراً لأجل التركيز على صفته العلمانية، اللاطائفية، وصولاً حتى إلى إعادة تمجيد الوثنية القديمة، وإقتراح صهر أيديولوجيّ طريف للأديان على هذا الأساس. كما كان هذا الإقتباس الأوّل للفاشية الأوروبية، وتحديداً لفرعها الألمانيّ، أي القوميّة الإشتراكية، متسلّحاً بإسهامه المحليّ في نظريّة الأعراق والدم النبيل والدم الفاسد. ومن ميّزات الإقتباس الأوّل للفاشيّة في لبنان عدم الإعتراف بهذا الكيان، بل أتّهم البعض في الأربعينيات بأنّهم حاولوا لبننة هذا المشروع وكان ذلك سبباً كافياً لتنحيتهم. فيما بعد سنجد ورثة هذا المشروع في إصطفافات سياسيّة مختلفة، ثم في إصطفافات أمنية أكثر مما هي سياسية.

    في السبعينيات وبداية الثمانينيات، عرف البلد المشروع أو البرنامج الثاني لإقتباس الفاشيّة الأوروبيّة. الإقتباس الثاني كان أكثر إشكاليّة، لأنّه تفرّع عن تجربة حزبية لم تكن فاشية وإنّما مُحافِظة. نظّر هذا المشروع الثاني إلى فاشيّته على أنّها حالة إستثنائية مفروضة في حال الحرب، وتلغي نفسها بنفسها في حال السلم، أي أنّها حال طوارئ يتقدّم الجزء المنظّم من المجتمع لإعلانها ساعة تعجز الدولة اللبنانية عن إعلان حال الطوارئ الذي يستدعيه وجود خطر على كيانها ووجودها وعلى وحدة أرضها وعلى سيادتها فوق هذه الأرض. الفاشية الثانية حملت معها جزءاً من التركة الدمويّة للحرب الأهلية. إتسمت بالعنصرية لكنها لم تكن مضطرّة لتبنّي نظريّة حول الأعراق.

    وبخلاف الفاشية الأولى، كانت الفاشية الثانية تنطلق أساساً من إيمان شوفيني بالكيان القائم وليس من جحود شوفيني به.

    يبقى أنّه تسجّل جوانب “إيجابيّة” في الفاشيتين الأولى والثانية التي عرفهما لبنان في الثلاثينيات والأربعينيات ثم في السبعينيات وبداية الثمانينيات:

    النزعة الفاشية الأولى أرادت لنفسها أن تكون لا فئوية، علمانيّة، إجتماعيّة، وارثة لتركة عصر النهضة العربية، وكان لها إسهام في جزء من الحداثة الأدبية والشعرية بشكل أو بآخر.

    والنزعة الفاشية الثانية أرادت لنفسها أن تكون متمسّكة بالكيانية اللبنانية إلى أقصى الحدود، وأرادت للبنان أن يكون جزءاً من المجتمع الحرّ، وبالتالي أن يتحوّل إلى دولة ديموقراطيّة ليبراليّة مستندة إلى إقتصاد السوق الحرّ ما أن تتأمن مقدّمات السلم، كما أنّ هذه الفاشية الثانية تطوّرت على أساس مبدأ غير فاشيّ أبداً، وهو إحتكار الدولة لمنظومة العنف الشرعيّ المنظّم، ونشأت كردّة فعل على جريمة فرط الدولة اللبنانية.

    لكن ماذا عن النزعة الفاشية الثالثة التي عرفها لبنان بدءاً من بداية الثمانينيات؟

    هذه الأخيرة إرتبطت بأيديولوجيا غيبية رسمية، واستهدفت الإنتلجنسيا التقدمية والتنويرية أوّل ما استهدفت، وحصرت “الشرف” في عنصر واحد من اللبنانيين دون سواهم. لم تكن بجرأة النزعة الفاشية الأولى في عدم إعترافها بالكيان اللبنانيّ، لكنها لم تحدّد لنفسها أيّ “أمّة طبيعيّة”، بل إنّها صارت تتحدّث عن أمّة غير معرّفة على الإطلاق، أمّة عموميّة على درجة من الإبهام والتعمية، أمّة الممانعة.

    النزعة الفاشية الأولى جرّبت الإنقلاب العسكري مرّتين وفشلت. النزعة الفاشية الثانية تطوّرت عشية حرب أهلية وأضاعت نفسها في مجرى الحرب الأهلية وتعقيداتها والمعادلات الإقليمية والدولية. في المقابل، فإنّ المشروع الفاشيّ الثالث يبقى الأخطر، بل أنّه المشروع الأكثر مطابقة لمصطلح “فاشيّ”، كونه مشروعا يعمل على الهيمنة الفئوية من خلال خط بياني أساسيّ يقضي بتدمير المضادات الحيوية الأخلاقية لدى المجتمع اللبنانيّ.

    كانت المشاريع السابقة “رومانسية” للغاية قياساً على هذا المشروع، إضافة إلى أنّها كانت أكثر “عقلانية” كونها ظلّت تتعامل مع الحداثة الغربية كمرجعية لها. أمّا الفاشية الثالثة، المعادية للغرب، و”المتصلة” بالغيب، والمزايدة على العرب، والتي تسخر من حب الحياة عند اللبنانيين، فإنّها الأخطر، إذ هي لا تشبه لبنان في شيء.

    وسام سعادة
    جريدة المستقبل
    17.09.2010

    Leave a Reply