• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    أربعة ملايين شاهد زور

    عندما تسقط منظومة القيم الوطنية والسياسية والاخلاقية، وتنهار هيبة السلطة والقانون، ويتهاوى الحجر الاخير من عمارة الانتظام العام، ويصير أكلُ الفاجر مال التاجر حقاً وإنصافاً وعين العدل وعنوان الاستقامة، يصبح الناس في غابة لا في دولة، ويصير معظم اهل السياسة والقيادة والزعامة من الضواري او الكواسر في الغابة، لا من مرجعيات العقل والمسؤولية في مجتمع يعرف التمدن او بالاحرى في دولة تعرف ماذا تعني الدولة!

    ان لم تكن هذه حال لبنان الآن ويا للمرارة، فإنه بالتأكيد الى مثل هذا الحال منحدر. بما يجعل منه مجموعة من القبائل المتناحرة، لا تملك مستقبلاً او افقاً او متسعاً لامل، في ان يهبط عقل الرحمن على اولئك الذين باعوا عقولهم الى الشيطان ويعملون وفق شريعة من بعدي الطوفان، فإذا النقيصة فضيلة والفضيلة نقيصة، واذا الكذب صدق والصدق رياء. وإذا الاستقامة انحراف والانحراف استقامة. واذا الفجور حياء والحياء فجور. واذا التقوى وخوف الله والشفافية وحسن النية من الامور المنكرة والمستنكرة.

    ***

    مسكين هذا البلد على مدى الدهر. هل نحن أربعة ملايين لبناني، أكثر أو أقل؟

    لا بأس لكن لنقل اننا الآن في شكل او آخر، اربعة ملايين شاهد زور، ما دام الحديث هذه الايام حديثا عن “شهود الزور” وقد انبثقوا من “ينابيع” متناقضة ومتقاتلة ومتصارعة، وقد جاء عليهم وعلينا حين من الدهر السيئ، صار بعضهم شاهداً مزدوج التزوير، كما قيل وتردد. وقد أرسل عمدا للادلاء بافادات ملفقة، إما بدافع استهدافات سياسية شيطانية، وإما بهدف إنكارها في اليوم الثاني، تمهيدا للقول ان هناك فبركة خططت وعلمت وكتبت سيناريوهات شيطانية، بما يضيّع التحقيق الدولي في جريمة اغتيال رفيق الحريري والجرائم الاخرى، ويفتح كوة للطعن في المحكمة الدولية.

    نعم، نحن بازاء ما وصلت اليه احوال السياسة في لبنان، اربعة ملايين شاهد زور بعضنا القليل منخرط في هذه اللعبة السمجة، التي ستؤدي في النهاية إما الى انهيار البلد وإما الى افلاسه.

    تأملوا مثلا ما يجري في مناقشات الموازنة من غير شر، ومعظمنا منخرط في واحد من أمرين:

    إما السكوت الاحمق والارعن والبلد يذوب، وإما الذهول الأبله والأتفه، ولكأننا لا نصدق ان في هذا البلد البائس، من يمارس السياسة والزعامة والقيادة على طريقة “من بعد حماري…”.

    ***

    والحمير هم، نحن أولئك الصامتون اليائسون المصدومون الذين لا نصدق الى أي دونية يمكن ان يصل الخطاب السياسي في البلاد والى أي سوقية يمكن أن يصل فجور التحريض على الدولة وسلطاتها ومؤسساتها.

    ولماذا كل هذا؟

    ربما لأن الذين تعودوا، وهم يتسلقون سلم الدولة ومناصبها، على أنهم “آلهة” أو أشباه آلهة يجد بعضهم نفسه الآن خارج النعمة وصولجان الامر والنهي أو بالاحرى خارج “الجنة” ويجد بعضهم الآخر نفسه وهو ينزلق رويدا رويدا الى خارج عرش “الزعامة الالهية” على هذا الشعب العظيم، الذي بدأ يستيقظ (هل بدأ فعلا؟) على ان ما كان يسمعه ويحسبه إنجيلا ملائكيا، ليس إلا من فعل يهوذا الغارق في الفضة بينما ديوك كثيرة في المسيحيين تصيح!

    ***

    وهكذا ووسط ما وصل اليه الخطاب السياسي من الدونية السلبية، لم تعد في بعض الأفواه ألسن تنطق بل مطارق تدمر الهيكل أو ما تبقى من الهيكل. ولم يعد في بعض الرؤوس عقول تتأنى وتتأمل وتنشد الحكمة والاتزان، بل خطط شيطانية وأفكار إبليسية على قاعدة تخوين كل الناس لتشرق نعمة “القدوس الأوحد”. ولم يعد في بعض القلوب نبض من دفء وحلم بل شيء من تكتكة تنذر باقتراب الانفجار!

    ***

    في مواجهة كل هذا لم يكن الرئيس ميشال سليمان مونسنيور الصمت والحلم والصبر، في حاجة الى بيان يدعو الى وقف التشكيك بالمؤسسات الدستورية والشرعية والقضائية والامنية وتخطيها وتهديدها. والى الابتعاد عن لغة التجريح والتخوين والخروج عن الأصول، بمقدار ما كان في حاجة الى إجراء صارخ يساعد في كنس الشوارع والساحات وآذان الشعب اللبناني وقلوبه من هذا الركان من التصريحات الهابطة غضباً ساطعاً لم يعد ينطلي على أحد.

    أيضاً في مواجهة كل هذا، ليس على رئيس الحكومة سعد الحريري الساكت والصابر وحامل لواء الدعوة الى الحوار ومباخر التفاهم والتعايش والوحدة الوطنية، إلاّ أن يتعمم بصفاء العمرة العائد منها وفضائل العيد. فالمحكمة الدولية في الواقع ليست إحدى مؤسساته، وهو لا يملك فيها كلمة تزيد عن كلمة أي لبناني من أقاصي هذا البلد التاعس. وعندما يقال له والدك رفيق الحريري مات وعليك أن تنسى وتطوي الصفحة، فليكتف بأن يتذكر أن للمحكمة الدولية آذاناً تسمع وألسنة تختصر بالقول: كل هذا الدوي في بيروت لن يؤثر في عملنا توصلاً الى الحقيقة والعدالة.

    راجح الخوري
    جريدة النهار
    17.09.2010

    Leave a Reply