• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    الأحزاب اللبنانية تكره السينما

    المخرج اللبناني ديغول عيد

    يحق للمخرج اللبناني ديغول عيد أن يغضب، يحق له أن يستشيط حنقا وسخطا على منع فيلمه «شو صار؟» الذي لا يقول شيئا غير البحث بالكاميرا عمن خطف روح أمه وأبيه وأخته الصغيرة حين كان ما يزال طفلا في العاشرة، بطلقات نار عصبية، هوجاء، مقيتة، خلال حرب غبية لم تجن غير الدماء. المجزرة التي حصدت 13 شخصا، بينهم أهله، خلال الحرب الأهلية اللبنانية، لا بد أنها ما تزال محفورة في ذاكرته، لم تمحها هجرة أو بعد عن مكان الجريمة. الأمن العام اللبناني منع الفيلم الذي يشير بأصابع الاتهام إلى «الحزب السوري القومي الاجتماعي»، ويذكر في حادثة أخرى «حزب الكتائب»، ويصور شخصا قابله المخرج في قريته يقول إنه أحد المشاركين في المجزرة، وبأنه قاتل أمه.

    الصغير الذي كبر وصار مخرجا لا يفهم أن يمنع حتى من الكلام، ويؤكد أنه لا يطلب ثأرا أو اقتصاصا من أحد. كل ما يبغيه هذا الطفل الكبير أن يعيد رسم مشهد فظيع مر عليه ثلاثون عاما لكنه لا يزال عرضة للتكرار، كل يوم. يسأل المخرج: «كيف للدولة أن تمنعني من ذكر اسم قتلة أهلي، بينما تسمح لهؤلاء القتلة أن يعيشوا ويسرحوا ويمرحوا وكأنهم لم يفعلوا شيئا». هذا هو منطق الحرب، الذي لا يبدو منصفا أو مفهوما للضحايا.

    سبق للرقابة أن اقتطعت جزءا من فيلم وثائقي، لأن أحد المتحدثين فيه يتكلم عن مجازر ارتكبها «الحزب التقدمي الاشتراكي»، ولو قيد لكل الأفلام الواقعية اللبنانية والوثائقية أن تعرض كما يجب، لما خرج حزب أو بقيت طائفة بريئة من سفك الدماء. وبالتالي فإن منطق الأمن العام يبدو مفهوما لو بقي الفيلم الواحد مقطوعا عن سياق باقي الأفلام، أما لو ترك للسينما أن تقول بصراحة وحرية ما تظنه الحقيقة، لأنصفت المجرمين جميعا.

    منذ مدة ضغطت جهات سياسية درزية متعددة على تلفزيون «الجديد»، لمنع عرض فيلم «طيارة من ورق» للراحلة رنده شهال. هذا الفيلم كما الفيلمين السابقين حصل على جوائز، وعرض في مهرجانات كبيرة، في الصالات اللبنانية أيضا، لكن لا تعرف لماذا بدا هذه المرة أن القصة التي تروي حكاية حب بين فتاة درزية وأحد العاملين في حرس الحدود الإسرائيلي قد أثارت الحساسيات، وأصبحت معيبة للطائفة. علما أن الفيلم ليس وثائقيا، إنما روائي، ومع ذلك اضطرت القناة التلفزيونية لإلغاء عرضه نزولا عند رغبة المحتجين.

    وما ينطبق على الأفلام يصح على النصوص المسرحية والمسلسلات. فالكلام عن الحرب يجب أن يبقى عموميا والقتلة ملامحهم هلامية وانتماءاتهم غمامية. على المخرج أن يدرس جيدا في العمل الفني التوازنات الطائفية، وهو يقدم المشاهد، ولا يترك الكفة تميل فتدين فئة دون أخرى، ولو كان الأمر يتعلق بحادثة بعينها. «التلميح لا التصريح هو المسموح – يقول ديغول عيد – لكنني لا أستطيع أن ألعب مع القتلة، خاصة حين يكونون قتلة أهلي». وبالتالي فإن عشرات وربما مئات المسرحيات التي قدمت عن الحرب بقيت تدور في فلك الإدانة العامة للعنف والوحشية، وإن اضطر أحد المخرجين لتقديم شخصية من طائفة معينة، فستعرف ذلك من خلال الإيحاءات واللهجة، وسياق الكلام.

    حين سئل أحد الممثلين اللبنانيين عن فشل الدراما اللبنانية وعدم قدرتها على الاختراق، رغم توافر الإمكانات الفنية والبشرية، قال بصراحة: «لأن المطلوب أن يكون الممثلون بلا هوية أو انتماء، فيما تدور القصة في بيوت كأنها موجودة في اللامكان».

    الدين جزء أصيل من تركيبة الشخصية الشرقية، فالسوري والمصري، تراه في المسلسلات يصلي في جامع أو كنيسة، يتزوج على سنة الله ورسوله، يربي أولاده على قيم بعينها، وقد يكون اسمه محمد أو حسن أو جوزيف. أما أبطال المسلسلات اللبنانية، فأسماؤهم يجب ألا تشي بدياناتهم، هم شادي وفادي وسارة وندى، أما بيوتهم فهي خالية من الرموز الدينية إلا فيما ندر، وزيجاتهم تبدأ وتنتهي في صالات الأفراح التي لا هوية طائفية لها.

    هذا التبرؤ المتطرف من الطائفة والدين، والانقسامات الحزبية في الأعمال الفنية، مقابل إيغال مرضي في المذهبية والانخراط السياسي الحاد حد الجنون في الواقع، يجعل الفنانين في حال فصام كلي، ويقدم فنا منسلخا عن اليوميات ومعضلاتها البائسة. وفي حال تجرأ أحدهم وفعل كما أحد المخرجين الثلاثة الذين تحدثنا عنهم، فعليه أن يحتمل احتجاجات طائفة أو أكثر، ولا يفعل الأمن العام اللبناني، في مثل هذه الأحوال إلا أن يستبق غضب المحتجين واعتراضاتهم، التي لا بد أنه بات يعرفها سلفا.

    فبعد بدء عرض «السيد المسيح» على قناتي «المنار» و«إن بي إن» بداية شهر رمضان، لم تمنع أي جهة رسمية المسلسل، لكن الأمن العام تحول إلى مفاوض بين الطرفين الشيعي والمسيحي، ليتوصل إلى الحل المثالي، حيث لا غالب ولا مغلوب، ويشكر المسيحيون إخوانهم المسلمين الشيعة، على تغليبهم المصلحة الوطنية، وجعلها فوق كل اعتبار، بوقف بث المسلسل.

    تبقى قصة ديغول عيد، الذي منع من مجرد تسمية قتلة أهله في فيلم وثائقي، نافرة وصادمة. وهي ليست المرة الأولى التي يمنع فيها فيلم بهدف درء غضب هذه الفئة أو تلك، لكن لم تكن التفاصيل مرعبة ومؤثرة إلى هذا الحد الذي يمكنك أن تلمسها نازفة، وأنت تتحدث مع مخرج ما يزال الطفل اليتيم فيه يتكلم بحسرة من يبحث عن أهله.

    سوسن الأبطح
    جريدة الشرق الأوسط
    11.10.2010

    Leave a Reply