• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    هاجس الفتنة والدولة المدنيّة اللبنانيّة العاثرة

    إن كان من دلالة أساسيّة لأحداث برج أبي حيدر الأخيرة، فهي هشاشة الاندماج المدني في لبنان واستعصاء الواقع اللبناني على التحوّل في الاتجاه المواطنيّ الجامع المتجاوز للانقسامات الأهليّة والعصبيّات الطائفيّة والمذهبيّة، فقد أثبتت هذه الأحداث وقبلها أحداث الجامعة العربيّة و«غزوة» الأشرفيّة أن المجتمع اللبناني مقيم منذ القرن التاسع على شفير النزاع الأهلي، وملغَّم بكل عوامل الانفجار الداخلي، ومهدّد على الدوام بالانزلاق إلى «فتنة» تقوّض نسيجه الاجتماعي بالكامل، فيما يبدو إعادة إنتاج متواصلة بصورة وبأخرى لفتنة عام 1860 الطائفيّة المقيتة وما جرّته من ويل وخراب لا يزالان يثقلان على الذاكرة اللبنانية حتى الآن.

    إن هذا إلا دلالة مأسوية على أن ثمة أزمة بنيويّة جذريّة ممتدة في تاريخ لبنان الحديث وتركيبته الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة، حكمت عليه بالدوران في الدوامة إياها، يراوح مكانه مكرِّراً نفسه، معيداً إنتاج أزماته ذاتها، كأنّما ثمة استعصاء سدّ أمامه أفق الاندماج في الحداثة والتحول إلى المواطنيّة. فمنذ قرن ونصف القرن، كتب المعلّم بطرس البستاني في جريدته «نفير سورية» معقّباً على النتائج الكارثية لفتنة عام 1860: «يا أبناء الوطن، إنّ شرّ الحروب وأقبحها وأشنعها الحروب الأهليّة لأنّها تتنافى كل المنافاة مع الأخوّة الوطنيّة والمودة والإلفة المدنيّة. هذا المبدأ الخبيث الموروث من البرابرة كثيراً ما رفع رأسَه وهاج في أحسن أزمان هذه البلاد فأوقع فيها الخراب والوبال وبدّد المال والعيال، طالما سمعناكم تقولون هذه ثالث محنة في أقلّ من عشرين سنة. فها قد جرّبتم مرة بعد مرة الحروب الأهلية وحسبتم أرباحها وخسائرها. فماذا ربحتم وماذا نتج إلا الترمل واليتم والفقر والخراب ديناً ودنيا، والمذلّة والصغر في أعين العقلاء والأجانب وتيتّم البلاد ممّن هم أعقل وأقدر وأغنى وأنبه رجالها».

    «يا أبناء الوطن، أفما هو الأوفق لــصالحكم أن تبدّلوا الغرض الأعمى بحبّ الوطن وتذكروا الإلفة القديمة وتكونوا يداً واحدة في صالح الوطن. أما ينبغي أن يكون هذا الصوت صوت عقلائكم. إنّ أحوال المستقبل إلى الآن مظلمة جداً ومجهولة عندنا وكم نرغب أن تفتح لنا أبواب لأن نترجى أموراً أحسن. ولكن إلى الآن لا نعلم متى يأتي الوقت الذي تشرق فيه شمس الراحة والأمنية في بلادنا إشراقاً لا غياب بعده. نسأل الله أن ينظر باللطف والرحمة نحو هذه البلاد المنكودة الحظ».

    مفارقة مأسويّة أن يبقى خطاب البستاني أواسط القرن التاسع عشر راهناً في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، لكأنّ الدولة الوطنيّة التي حلم بها ومعاصروه النهضويّون عصيّة على النهوض والتحقق، وكأنّ ثورة الحداثة بكل قيمها ورموزها ومبادئها لم تمرّ من عندنا ولم نفقه شيئاً من عبَرها ودروسها. لأنّنا إلى الآن لم نتجاوز دولة التسوية الطائفيّة لنبني على أنقاضها الدولة المدنيّة، دولة العقد الاجتماعي والمساواة الوطنيّة الراعية للجميع «من دون تمييز بين الأشخاص أو تفريق بين الأحوال»، على حدّ تعبير النهضوي فرنسيس المرّاش، بقيت بلادنا «منكودة الحظ» من زمن البستاني إلى زمننا هذا، وبقي سؤاله معلّقاً: «متى يأتي الوقت الذي تشرق فيه شمس الراحة والأمنية في بلادنا؟».

    ولأن وعينا الحداثي لم يتشكّل، ولأنّ ثقافتنا ظلّت تعاني من الفصام والازدواجيّة بين الخرافة والعقلانيّة، بقينا نحمل في داخلنا كل عقلنا القبلي وكل بربرية القرون الوسطى تستيقظ فينا كل برهة من الزمن، لتوقع الخراب والدمار وتخلّف اليتم والتبطل والهجرة.

    ولأنّه لم يعترف بالمواطن اللبناني خارج انتمائه الطائفي، ظلّ يلوذ إلى عصبياته محتمياً بها، محتكماً إليها، مستجيراً بمرجعيّاته الطائفيّة والمذهبيّة والجهويّة لتدبير شؤونه والحفاظ على وجوده في غياب شرائع وقوانين عصريّة عادلة، ظلّت الحرب الأهليّة لعنةً دائمة تطارد اللبنانيّين من جيل إلى جيل كالكابوس.

    ولأنّ الفصل بين الديني والسياسي الذي نادى به العلمانيّون المتنوّرون العرب من فارس الشدياق وفرنسيس المراش وفرح أنطون، إلى عبد الرحمن الكواكبي وساطع الحصري وأمين الريحاني وأنطون سعادة، لأنّ هذا الفصل بقي بعيد المنال، ظلّ التعامل مع اللبناني ككائن طائفي أحادي البعد، وظلّت الحرب الأهليّة ـ هذا المبدأ الخبيث الموروث من البرابرة، بلغة البستاني ـ ترفع رأسها بين الحين والآخر، موقعة الخراب والوبال، مبدّدةً المال والعيال، ولبث ملوك الطوائف وأباطرتها يمسكون بزمام السياسة،، كأنما كان هباء كل ما تحقق في عالمنا المعاصر من تقدم سياسي واجتماعي، وبعد قرون على نظريات لوك وروسّو ومونتسكيو وما قالوا به من شرائع ناظمة للهيئة الاجتماعيّة، ومن دساتير قائمة على خيارات الأفراد الحرّة أساساً للدولة الليبراليّة الحديثة.

    ولأن انتماءنا الوطني والقومي بقي شاحباً وملتبساً ومختلطاً، ظلّت الأرضية التي نقف عليها مهتزّةً ومهدَّدةً بالانزلاق إلى الفتنة والحرب الأهليّة، ولم يكن من دون مغزى انكشاف ذلك الكم من عملاء الصهيونيّة فيما بيننا.

    ولأنّ الدولة اللبنانيّة ظلّت دولة المحظوظين والمتنفعين فيما الأكثريّة بائسة مغلوبة على أمرها، لم تقم تلك الوشائج الصلدة بينها وبين المواطنين، وظلّت عموماً دولة القهر والتسلّط، كان من الطبيعي أن يتحيّن هؤلاء الفرص لمواجهتها ولو من باب النزاع الأهلي، وظلّ يظهر كل برهة من الزمن ذلك «المبدأ الخبيث ـ الحرب الأهليّة» الذي أربك التاريخ اللبناني الحديث منذ نظام القائمــقاميّتين إلى اليوم.

    هذا المسلسل التاريخي المشؤوم لن ينتهي في رأينا ما لم تقم الدولة الوطنيّة المدنيّة وما لم يُحصَّن المواطن مدنياً وسياسياً ووطنياً وطبقيّاً. مدنيّاً بأن يعترف به ككائن مدني مستقلّ عن أية وصاية طائفيّة أو قبليّة أو عشائريّة، وسياسياً بأن يعترف بحقوقه في تقرير مصيره وفي أن يختار بنفسه شكل وجوده السياسي والاجتماعي، بوصفه كائناً راشداً وحراً، ووطنيّاً بأن تقدَّم المواطنيّة في التعامل مع المواطنين على ما عداها من علاقات أياً يكن شكلها. واجتماعياً بأن يعترف بحقوقه الاقتصاديّة والإنسانيّة بعيداً عن الجور الطبقي والاستغلال المدمِّر للذات والكرامة الإنسانيّة.

    من دون هذه المقدّمات التأسيسيّة لن تنتهي المسألة اللبنانيّة إلى حلول ثابتة، وغير مهدَّدة دائماً بذلك المبدأ الخبيث «الحرب الأهليّة» الذي ينبعث من جديد كلّما ظُنّ أنّها بلغت شاطئ الأمان.

    كرم الحلو
    جريدة السفير
    10.09.2010

    Leave a Reply