• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    الديموقراطية… لمن يتذكرها

    لا يحتاج الوضع اللبناني المحتقن بيومياته المأزومة الى مقاربات “مترفة” مثل التوقف لوهلة سريعة عند حال الديموقراطية اللبنانية التعيسة. فهذا الوضع المنهك بالعدّ العكسي لشر مستطير يطيح ببقايا الامن والاستقرار يدفع ببقايا ديموقراطيته المتآكلة الى اسفل الدرك ويكاد يطمس تماماً كل صوت صارخ في برية التحذير من انهيار الديموقراطية العليلة.

    ومع ذلك، لا بد من اطلالة ولو لتذكير من بقيت لديهم بقايا نبض بخطورة ما يصيب النظام والمعايير الديموقراطية، ولو بأدنى مستوياتها، من ضربات وجودية ومصيرية حقيقية وجادة.

    لو كان في لبنان مرصد يحظى بالصدقية الكافية لمعاينة آثار الأزمة الاخيرة المفتوحة منذ ثلاثة اشهر تقريباً، مع اندفاع ملف المحكمة الدولية الى الواجهة واستتباعاته ومشتقاته وصولاً الى اشتباك برج ابي حيدر وتداعياته، لخرج بخلاصة مفزعة عن الديموقراطية اللبنانية. فليس من المبالغة في شيء الاستخلاص ان هذه الديموقراطية تعاني تحت وطأة الخطاب السياسي السائد والاداء المستقوي على كل الاصول ومسار ما يسمى “الدولة” في التعامل مع طفرات العصبيات المذهبية، آخر لحظات الاحتضار والانهيار.

    المسألة لا تتصل بهيكليات الطقوس التي لا تزال المؤسسات الدستورية تمارسها بفراغ هائل في المحتوى الديموقراطي الجدي. فهذه الهيكليات هي آخر صورة شكلية تحترمها القوى السياسية والحزبية وتنخرط في آلياتها بدافع مصلحي على الاقل لأن تغيير النظام اللبناني واطاحته لا يعود حتى الى هذه القوى او اي منها مهما قويت شكيمته او امتلك القدرة على تغييره، بل هو قرار خارجي في النهاية في يد المحور او الدول ذات السطوة والمصلحة حين تتوافر التقاطعات الضرورية الاقليمية والدولية والمحلية. بل ان الامر الاخطر يتعلق بتطبيع الوضع اللبناني على معايير قسرية وعنفية مختلفة لم تقو حقبات الحرب على فرضها بمثل ما يحصل الآن، وليس اقل مضاعفاتها ان تفرض اولويات التوتر المذهبي تحديداً على سائر اولويات الناس والدولة ويجري تعميم مفردات الخطاب القسري على اللعبة السياسية برمتها. لقد كان من المسلم به تقريباً ان يعتبر شهر رمضان شهر اختبار لهدنة سياسية مرعية فوقياً بمظلة عربية ثنائية على الاقل، فإذا بالتوترات المذهبية تضحى اقوى من هذه “الآفة” نفسها، آفة الاستظلال بمظلة خارجية هي في النهاية عنوان لقصور سيادي داخلي يظل في حاجة الى مظلات كهذه. والأنكى من ذلك ان القوى التي ساهمت مساهمة فعّالة ومقصودة في استجرار هذه المظلة تعود بشكل فولكلوري باهت ومتهالك الى المزايدة على خصومها واتهامها بأنها لم تعرف المحافظة على المكسب الاستقلالي والسيادي. يضاف الى ذلك ان تسليط الخطاب العقائدي الايديولوجي وجعله المعيار الاحادي لقياس الولاءات والانتماءات لا يؤدي إلا الى حصيلة مدمرة وحيدة هي ضرب آخر نقطة تميّز في النظام اللبناني وهي الحق في الاختلاف، وتحويل هذا النظام اشبه بصحارى الانظمة العربية والاقليمية والعالمثالثية الديكتاتورية التي يسود فيها معيار التصنيف الواحد وإلا تحوّل كل مخالف خائناً ومارقاً واستبيح دمه وحقه في التعبير الحر.

    أما حال الدولة فحدّث ولا حرج، من اعلى الهرم الى اسفله. ولا حاجة الى السؤال عن مدى حضورها وتأثيرها وقدرتها على اشعار الناس بوجودها، وها هي احداث برج ابي حيدر وما أعقبها احدث القرائن على الضعف المريع لهذا الحضور امام تصاعد الخوف الفتنوي.

    ماذا يعني ذلك؟ ببساطة مخيفة ايضاً، انه يعني ان اي هزة كبيرة جديدة هذه المرة لن تقف عند حدود الاجهاز على الامن والاستقرار، بل هي ذاهبة الى الاطاحة ببقايا النظام وحرياته وديموقراطيته، ومن لديه ما يدحض هذه الحقيقة المفزعة فليجهر لمرة بصوت مختلف ومخالف.

    نبيل بومنصف
    جريدة النهار
    06.09.2010

    Leave a Reply