• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    القرينة الساقطة

    انطباعي الأولّي – انطلاقا من قراءة رد السيد مالك أبي نادر على “مقالتي” أنه بمثابة استذكار للوقائع لاينفيها بل يؤكدها – أنه فعل متسرع يؤكد فيه صاحبه بالوقائع ما حاول أن ينكره بالصياغات اللغوية وبالتلطي وراء أصول الاتهام وفقه المحاكمات. وقد زادت دهشتي من هشاشة ما قرأت، بعدما تأكد لي أن ما سمي ردا قد خضع لموافقة جهة مسؤولة في التيار العوني بدليل نشر هذا النص على موقع التيار الالكتروني الرسمي تحت عنوان “رد التيار الوطني الحر على حارث سليمان”.

    الارتباك حالة انسانية يمكن قبولها، كذلك فإن التغاضي عمن يصاب بالتخبط، نتيجة حدث جلل وقع عليه فجأة ومن غير توقع، هو شيمة حميدة، كان يمكن ان أختار ذلك واتغاضى عن الرد، لو أن السيد أبي نادر لم يقع في صحراء التيه بين مهمتين لم يوفق اطلاقا في الجمع بينهما: الدفاع عن الجنرال فايز كرم، والدفاع عن الجنرال ميشال عون والوزير جبران باسيل.

    فالمهمة الأولى، أي الدفاع عن الجنرال كرم المتهم والموقوف بمذكرة وجاهية من قبل قاضي التحقيق وليس من قبل شعبة المعلومات فقط، لم ينجح بها حين أضاف الى ما ظنّه تخفيفا لتهمة كرم وهي الاتصال بالعدو الاسرائيلي، تهمة جديدة وهي تزويد اسرائيل بمحاضر اجتماعات التيار العوني مع قيادات حزب الله، فهل يحلم العدو الاسرائيلي ب”يوضاس” أكثر نفعا ممّن يزوّده بمعلومات عن قيادات “حزب الله” وتحركاتهم؟ وهل استمزج السيد ابي نادر رأي “حزب الله” في هذه التهمة المخففة؟

    أما بالنسبة لواقعة التحاق الجنرال كرم بالجنرال عون في باريس عبر اسرائيل فهو يؤكدها كاملة، مصححا فقط حيازة كرم لجواز سفر لبناني ومضيفا اليها سفره بزورق اسرائيلي الى قبرص وبوجود صديق مشترك بين كرم واسرائيل، من الطريف ان يكون ثمة من يعتقد ان هذا التفصيل يدحض واقعة الدور الاسرائيلي في تأمين انتقال كرم الى باريس. لكن ما الحيلة اذا كان هذا هو خيار صاحب الرد، حين أشرت باصبع الى قمر الحقيقة حول دور اسرائيل بإيصال كرم الى باريس، أن يكتفي برؤية اصبع الاشارة دون قمر الحقيقة؟!

    ولعل أكثر المفارقات غرابة في رد التيار دفاعا عن الجنرال كرم هو اعتباره أنّ كرم لو كان “عميلا اسرائيليا لبقي في الجنوب يتعاون مع الاحتلال مستعملا موقعه وصلاته السابقة في خدمة العدو” والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ؛ هل موقع رجل المخابرات بين المتاريس في الجنوب أم قريبا من موقع صناعة القرار في باريس؟ مرة أخرى لا يفشل رد التيار في تخفيف العبء عن كرم فحسب بل يطرح مفهوما جديدا على أدبياته المعروفة وهو أن حالة جيش لبنان الجنوبي بقيادة أنطوان لحد هي حالة عمالة لإسرائيل، والحق يقال أن تطورا كهذا جدير بالتحية والتقدير، لكنه يطرح تساؤلا مشروعا وهو كيف يتفق هذا التوصيف مع قيام الجنرال عون بصرف رواتب جيش لبنان الجنوبي لسنوات عديدة خلال تسلمه مسؤولية قيادة الجيش اللبناني ومسؤولية رئاسة الحكومة؟

    أما بعد، تقتضي الموضوعية الاعتراف بأن رد التيار قد احتوى شرحا مقبولا حول قرينة البراءة التي تعتبر أن المتهم بريء حتى يدان، لكن هنا ينبغي التذكير أن قرينة البراءة هذه هي لحفظ حقوق المتهم أثناء المحاكمة ولحسن سير العدالة ولا يمكن ابدا أن تستعمل تشكيكا بالأدلة أو دحضا للوقائع، أوخصوصا تجاوزا للاعترافات، فمن أسقط قرينة البراءة وأهملها في قضية الجنرال كرم؟

    ببساطة شديدة انهم “أهل بيت” المتهم ومسؤولو مذيّل الرد بتوقيعه، ولذلك كان التذكير بقرينة البراءة مفيدا ردا على تصريح الجنرال عون نفسه حين وصف الجنرال كرم ب”يوضاس” مستسلما أمام غواية الاستنتاج بأنه مسيح آخر، أو اجابة على الوزير باسيل حين اعتبر أن قضية كرم هي دليل على استهداف التيار العوني من قبل اسرائيل وصولا الى الدلالة على أهمية حزبه وتفوقه.

    مرة ثالثة يتنصل التيار من مسؤولياته بتذكيرنا بالالتزام بما لم يلتزم به في هذه القضية… ولا في غيرها من قضايا التجسس، فيطلب منا أن نعتبر “الجنرال كرم بريئا حتى الآن” رغما أنه شهد عليه شاهد من أهله! أم أن يوضاس لم يعد رمزا للخيانة والغدر طبقا لقرينة البراءة فهو لم يحاكم بل شنق نفسه؟

    أما المهمة الثانية التي تنكب لها السيد أبي نادر نيابة عن التيار العوني وفشل فشلا ذريعا في ادائها فهي مهمة الدفاع عن الجنرال عون والوزير جبران باسيل. وهو دفاع في وجه تساؤلات سياسية عن مشروعية تصريحات أدلى بها الرجلان ليس تبرؤاً من التهمة الموجهة لكرم فحسب بل استغلال لها، بحيث جعل الجنرال عون نفسه مسيحا آخر (دون فارق التشبيه الذي اورده الرد مستدركا ومتأخرا)، في حين اعتبر باسيل أن افتضاح أمر الجنرال كرم دليل على أهمية التيار (كذا). فهل استهجان المستهجن هو تطاول على الكرامات، أم أن تصوير الفضيحة ميزة تفاضلية أو مناسبة لاعلان النبوة هما اعتداء سافر على عقول اللبنانيين واستهتار بوعيهم؟

    لقد وقع مساجلنا، ومن خلفه تياره، في التباس عدم التمييز من جهة أولى بين المسؤولية الجرمية القضائية التي هي مهمة التحقيق والقضاء والمحاكم، ومن جهة ثانية المسؤولية السياسية والمساءلة المواطنية اللتين هما حقّ من الحقوق السياسية لأي مواطن لبناني يمارسه في وجه أية جهة سياسية تتعاطى الشأن العام بما في ذلك الجنرال عون وتياره ووزيره. وهذه الممارسة الحق تقع في صلب ما أوردته المقالة التي تنكّب أبي نادر عناء تأكيد مضمونها، متوهما الرد عليها ودحضها.

    نعم مسؤولية التجسس الجنائية هي فردية وشخصية كما أوضحت بداية مقالتي الى “قضايا النهار”، لكن تبوؤ المشتبه به مسؤوليات قيادية وتزكيته لأدوار سياسية ودعمه ليصبح ممثلا للشعب، هي كما في كلّ دول العالم، مسؤولية سياسية يتحملها أولا من يقف وراء هذا التبني أو تلك التزكية. وهذا بالضبط ما نسائل الجنرال عون عليه وما يفترض أن يسائله عليه 75408 مواطنين من شمال لبنان ارتكبوا اثم الانتخاب سنة 2005 ويشعرون بمرارة الخديعة، مثلهم مثل ربع ناخبي طرابلس عام 2009، هؤلاء يستحقون اعتذارا علنيا من الجنرال ميشال عون، مثلما يستحق الشرفاء من كوادر التيار وقواعده فتح تحقيق سياسي شامل لمعرفة مدى الخرق والضرر الذي ألمّ بالتيار جراء القضية. فهل أتعب كاتب الرد نفسه بالاطلاع على ما يفعله رجال الدولة والسياسة في كل انحاء العالم عندما يتم اكتشاف خيانة في محيطهم الاقرب؟

    يخفي السيد أبي نادر توتره وانفعالاته باساءات وتلميحات مبطنة حتى نهاية مقالته لينفجر شتاما لحظة الدفاع عن صهر الجنرال واصفا ما كتبت بأنه أسلوب مبتذل وممجوج. صحيح تماما أن المصاهرة أمر عائلي خاص لايجوز أن تصبح بندا من بنود النقاش العام، لكن حصانتها تصبح مهيضة الجناح يوم يستعملها أصحابها أداة شبه وحيدة للترقي السياسي، وهي الحالة الراهنة في صعود نجم الوزير باسيل، على حساب كل مناضلي التيار العوني، وعلى لسان خيرتهم وليس على لسان خصوم التيار فحسب.

    اللبنانيون جميعا يتذكرون – على سبيل المثال لا الحصر- صمود وعنفوان اللواء نديم لطيف، كما يتذكرون شفافية اللواء عصام ابو جمرا، ويسترجعون صور تضحيات عشرات الشباب من التيار العوني يخوضون المواجهات الاليمة في كل مناسبة، لكن للأسف حقا، فلا الصمود والعنفوان كانا معيارا ولا الشفافية وصفاء الالتزام كانت مقياسا، ولا التضحيات الجسام كانت ثوابا ولا الحكمة والعلم كانا مؤشرين للصعود السياسي وتنكب المسؤوليات، ولا الانتخابات الحزبية الداخلية كانت وسيلة للوصول الى القيادة، وحدها المصاهرة فعلت فعلها في حركة الصعود الى الأعلى داخل التيار، لهذا أصبحت شأنا سياسيا عاما حقّ لكل مواطن أن يسلط الضوء عليها.

    يختلط لدى السيد ابي نادر ومن خلفه اصحاب الرد تاريخ تولي الجنرال عون قيادة الجيش وتاريخ تعيين الجنرال كرم رئيسا لوحدة مكافحة الارهاب والتجسس، (شغل الجنرال عبد النور هذا الموقع في السنوات الاولى من قيادة عون) كما يجافي نصف الحقيقة حين يقول إن “تدخل المحتل السوري الذي منع يومها انتخاب رئيس للجمهورية خلفاً للرئيس الجميل، وعلى أثر ذلك التدخل بدأت حرب التحرير”، ان كل من عاصر تلك المرحلة يعرف أن سوريا قد دعمت ترشيح الرئيس الراحل سليمان فرنجية في 18 آب 1988 لرئاسة الجمهورية، كما اتفقت بعد ذلك مع المبعوث الاميركي ريتشارد مورفي على ايصال النائب مخايل الضاهر الى سدة الرئاسة، فانتخاب من رئيسا للجمهورية منعته سوريا؟ هل انتخاب الجنرال عون؟ وهل كان ذلك سببا لاشعال حرب التحرير؟ شكرا لكاتب الرد وشكرا لمن كانوا خلف رده، الذين صحّحوا لنا “حسن ظن خاطئ” بالجنرال بأنه خاض حربا من أجل لبنان، فأوضحوا للجميع بأن تلك الحرب كانت من أجل كرسي الرئاسة!

    ختاما الشعبوية لا تصنع وعيا (بالاذن من محمود سويد) والذرائعية لا تقدم بنيانا منطقيا، أما الرقص مع كل ذئب جديد، فهو جميل في السينما مأساوي في الواقع.

    حارث سليمان
    جريدة النهار
    02.09.2010

    Leave a Reply