• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    مع الجيش… طبعاً ولكن

    كلنا، كل اللبنانيين، مع الجيش. والاشتباك مع الاسرائيليين الاسبوع الماضي اظهر اننا جميعا، لبنانيين وعربا، مع الجيش اللبناني. هل يمكن ان نكون شيئا آخر، اي مع احد آخر؟ لا، طبعا، اطلاقا. ولا عزاء للجواسيس والعملاء، المعتقلين منهم والطلقاء.

    على قاعدة فعل الايمان هذا، فليكن ممكنا القول: نعم للجيش… ولكن! من قبيل التصارح الوطني والتناصح الاهلي وشحذ التضامن وعقلنة التوجهات والخيارات. وعلى قاعدة فعل الايمان هذا ايضا، فليكن مقبولا الاصرار على ان يكون الجيش معنا، كما نحن معه.

    عمليا، ادى الاشتباك الى حسم ميداني للنقاش المستمر في شأن “الاستراتيجية الدفاعية”، فهذه دخلت التطبيق قبل صياغتها نظريا. وعموما، شكلت تصريحات الرئيس ميشال سليمان خلال تفقده المواقع في الجنوب، تعبيرا دقيقا عن هذه “الاستراتيجية”، اذ شدد على الهدف الرئيس وهو “الدفاع” عن لبنان، مشيرا في الوقت نفسه الى ان لبنان “لم يهاجم يوما اسرائيل وهي التي تقوم بالاعتداءات، وكل اللبنانيين بمن فيهم المقاومة اعلنوا ان لا نية لديهم بمهاجمة اسرائيل”.

    لا شك في ان زيارة الرئيس سليمان وكلامه ساهما في تعديل الانطباعات المشوشة التي سادت غداة الاشتباك، خصوصا مع تزكية “اليونيفيل” للرواية الاسرائيلية، وكذلك بعد الايحاءات التي اشاعها خطاب الامين العام لـ”حزب الله” مساء يوم الحدث. ففي حدود ما قاله الرئيس لا مجال للتشكيك بوجود اجماع وطني وراء الجيش “اساس الشرعية”.

    لكن مع ابراز الحاجة الى “الاسلحة الدقيقة من الدول الصديقة”، والى “المساعدة من اشقائنا” اي العرب، تصبح المسألة فيها نظر.

    فالدول المعتبرة صديقة كلها مع اسرائيل بلا استثناء، ولعلها كانت تفرد للبنان نظرة خاصة باعتباره دولة غير محاربة، ثم ميزت – بشيء من الايجابية – بين الدولة (والجيش) والمقاومة حين كانت الارض محتلة، ومنذ 2006 راحت تميز – بسلبية – بين الدولة والمقاومة، الى ان فقدت امكان التمييز بينهما مع تماهي الدولة والجيش والمقاومة وما يستتبعه من اسقاطات على الازمة بين ايران والدول الغربية (الصديقة) ومعها اسرائيل.

    اما الدول الشقيقة، الموزعة بين “اعتدال” و”ممانعة” و”لا اعتدال” و”لا ممانعة”، فقد يبدو الامر اكثر استشكالا للبنان وللاشقاء في آن، اذ ان الاشقاء، معتدلين وممانعين، تموضعوا على نحو يتفادون فيه اي حرب مع اسرائيل، فضلا عن التعرض لاي اعتداء منها، وحتى حين يعتدى عليهم، وفي العمق، يعضّون على الجراح مغلبين رصيد السلوك الحسن على المشاكسة التي قد تجلب لهم وجع الرأس. وعلى افتراض ان هؤلاء الاشقاء يتمتعون بمحبة عميقة للبنان ويرغبون فعلا في مساعدته فانهم بلغوا بدورهم – مثل “الاصدقاء” – النقطة التي فقدوا معها امكان التمييز بين الدولة (وجيشها) وبين المقاومة. ولعلهم – اكثر من “الاصدقاء” – يتفهمون الدواعي الداخلية لهذا التماهي، الا ان التفهم شيء والموافقة شيء آخر. وبالتالي فإن “الاشقاء” غير المحاربين لم يعودوا مستعدين لمساعدة الشقيق المحارب، حتى لو كان مضطرا للحرب.

    يعني ذلك ان لبنان – واقعيا – متروك لـ”شقيق” واحد و”صديق” واحد فقط لا غير، اي لسوريا وايران، والاخيرة تسلح “حزب الله” وترعاه وتقيم علاقة تحالفية مع سوريا، التي تسلح الجيش اللبناني وترعاه وتقيم علاقة تحالفية مع “حزب الله”. ولا داعي للمجادلة في ان الزاوية الاضعف في هذا المربع هي تلك التي يمثلها الجيش اللبناني. وهذا ليس سرا، لا على اللبنانيين، ولا على الاشقاء او الاصدقاء او حتى العدو الاسرائيلي. صحيح ان لبنان لا يزال يتمتع بتعاطف دولي وعربي خاص، لكن كلما اشتد التأزم الاقليمي – الدولي مستهدفا ايران بسبب الملف النووي و”حزب الله”، او مستهدفا سوريا بسبب ايران و”حزب الله”، فان لبنان هو الساحة المتاحة والمفضلة للجميع، حتى ليبدو كأنهم متفاهمون ضمنا في هذا الشأن.

    وحدهم اللبنانيون غير متفاهمين وغير متفقين على دور كهذا للبلد. انهم متفاهمون ومتفقون على دعم الجيش في مهمته الدفاعية وليس الهجومية، وفقا للتوصيف الذي اعلنه الرئيس سليمان، على ان يتسلح هذا الجيش جيدا. كان مطلوبا دائما، لبنانيا، ان يكون الجيش متمتعا بالسلاح والقدرة، وعلى مر العهود لم يتمكن من ذلك، بل لم يمكَّن. لذلك خص الاشقاء العرب لبنان بشبه “اعفاء” من المجهود الحربي ضد اسرائيل، وهو ما شجع فريقا من اللبنانيين على الذهاب ابعد مطالبا بالاعتراف له بوضعية “الحياد” الدولي والاقليمي. من الواضح ان الاشقاء والاصدقاء لم يتحمسوا لهذه الفكرة، لانها تفقدهم الساحة التي يصفّون حساباتهم فيها.

    لكن الوضع الحالي لا سابق له، اذ اقتيد لبنان الى استراتيجية لم يعدّ الجيش لها اعداداً جيدا، لذلك يبدو محكوما بان يكون اداة فيها وليس صاحب القرار. وطالما ان هذا الجيش “لم يهاجم اسرائيل يوما لئلا تستهدف لبنان، فانه يجد نفسه اليوم وقد زُج في أتون صراع اقليمي – دولي واسع وهو على تسلحه المحدود والمتواضع. كان الجيش في السابق يحمي ظهر المقاومة في حربها من اجل تحرير الارض ليحافظ على وظيفته كدعامة اساسية للدفاع عن لبنان، ومع انقلاب الادوار الآن اصبحت المقاومة هي التي تحمي ظهر الجيش الذي بات هو في خط المواجهة. قد يكون في هذه الصيغة ذكاء دفاعي، غير ان فيها ايضا مجازفة تتطلب اعداد اللبنانيين لها، ليعرفوا ما ينتظرهم، فالبلد بلدهم والجيش جيشهم، كذلك الدولة والمؤسسات، والمرافق والجسور والطرق، ولا يجوز تعريضها للخطر في اي حرب جديدة من حروب الآخرين على ارض لبنان.

    عبد الوهاب بدرخان
    جريدة النهار
    11.08.2010

    Leave a Reply