• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    سببان ضروريان للعمالة لكن غير كافيين

    ما لفت نظري بعد إلقاء القبض على العميد فايز كرم بتهمة التجسس، هو عدم تصديق من عرفوه هذه التهمة الى حد الصدمة. يقول محدثك، انا اعرفه جيداً ومن غير المعقول ان يكون قد تورط في مثل هذه القضية. يشيرون إلى لطافته ودماثته وتوازنه وقربه من الناس وصداقاته الكثيرة ودوره الاجتماعي؛ ثم هناك اللماذا؟ لماذا يتورط شخص مثله ابن عائلة طيبة ومستوى اجتماعي جيد؟ ذلك أن صورة العميل او الجاسوس في أذهاننا هي انه شخص حقير، معوز، منحط على جميع الصعد؛ وإلا كيف يمكنه خيانة وطنه؟

    الاعتقاد السائد هو أن الحاجة وحدها هي التي تدفع شخصاً لأن يساعد عدواً لبلده. وفي هذا تبسيط شديد. فمن ناحية، ما حاجة العدو الى نوع واحد من الجواسيس المنحطّين المفضوحين والمشكوك في أمورهم؟ ومن ناحية ثانية، تصبح حاجات البشر مقتصرة على المادي الصرف، فنغفل عن حاجات الانسان الرمزية وعن موقفه الإيديولوجي وعن اعتباره لكرامته وعن رد فعله امام الشعور بالهزيمة والانسحاق والظلم. في تاريخ العميد المتهم، ما يكفي من إشارات الى ايديولوجيته السابقة والى معاناته من الشعور بالهزيمة والاذلال – وهو عسكري- في السجون السورية مع ما يعني ذلك لمثله.

    يخطئ من يعتقد ان التجسس يعتمد حصراً على معالجة المعلومات السرية والمحجوبة المعتمدة على عملاء في الداخل؛ إن جمع المعلومات العلنية والمعروفة أيضاً، أي ذات المصادر المفتوحة renseignements جزء أساسي من عمل المخابرات. فعملية التجسس لا تعتمد فقط على جمع المعلومات، بل الأهم قراءتها ومعالجتها وتقويمها والربط بينها من أجل تأويلها وتحويلها معلومات صالحة للاستخدام لمصلحة دولة او جهاز معين، وللتأثير على الأرض المُتجسَّس عليها، وهنا الدور الأساسي للجاسوس الداخلي ذي الحيثية المعتبرة.

    كما في عالم جيمس بوند، هناك انواع من الجواسيس وعملاء المخابرات، فالجاسوس أو العميل (بالفرنسية تستخدم كلمة agent للموظف الذي يقوم بعمله وكلمة espion للجاسوس الذي يتجسس في الميدان المعادي لمصلحة بلده كما في حالة كوهين الشهير فيكون هنا بطلا). وفي الحالات التي يكون الجاسوس فيها عميلاً يتجسس لمصلحة بلد عدو لبلده، حينها فقط يصبح في أسفل درجات الدناءة وتتخذ كلمة جاسوس معناها. لكن لماذا يضعف الجاسوس ويخون بلده أو يصبح عميلاً مزدوجاً؟ ذلك نتيجة سيرورة تجمع عوامل عدة: المال، الايديولوجيا السياسية او العقيدة، الضغط او الابتزاز (قد يكون جنسياً أو لأسباب أخرى)، وأيضاً “الإيغو” أو الأنا النرجسية. لا توصيف مناسبا في حالة العميد كرم في حال ثبوت التهمة، فهو تصرف كعميل مزدوج انقلب وخان الثقة التي وضعت فيه. إذ يجب الا ننسى أنه تسلّم قيادة المخابرات في مرحلة معينة، وهو عميل ذو تأثير وعميل مقتحم من الداخل، من داخل النسيج الاجتماعي والسياسي اللبناني، وهذا ما يوفر له الاقتراب من مراكز القرار لخدمة مآرب العدو. هذه مواصفات من النادر توافرها جميعها عند جاسوس واحد. فنجاح العملية الاستخبارية تتعلق بقيمة الجاسوس وليس فقط بعملية التجسس. وهو خسارة أعتقد أنها لن تعوض لإسرائيل، لأنه وعلى ما يبدو خضع لتدريبات مهمة جداً جعلت منه جاسوساً من أفضل قماشة ممكنة لهذه المهمة وتنطبق عليه أفضل توصيفات للجاسوس بحسب ما يتداول عنه من عرفوه: فالجاسوس “التوب”، يجب ان يكون حكيماً، وان يتصرف دائماً كما يجب، ان يفكر قبل ان يتكلم، يسيطر على نفسه، لديه حس التحليل السريع، يأخذ القرارات والتدابير العاقلة.

    فالجاسوس ملتقط بوظائف متعددة. دوره لا يقتصر على التقاط الوضع الخاص، بل عليه ان يفهمه ويتخذ التدابير التي تتماشى مع عمله. وهي عملية تشبه لعبة الشطرنج. اللعب، لكن التفكير في ألاعيب الخصم من أجل القدرة على تعديل الاستراتيجيا وتكييفها بشكل دائم.

    وبعيداً من كليشيهات السينما من التخفي والتنكر واستخدام السلاح وتسلق السطوح والهرب من الشبابيك، يعتبر التجسس عملاً صعباً يتطلب جهداً دقيقاً وكبيراً مع الكثير من الانتباه والإرادة، مع معارف واسعة ومهارات معتبرة. والجاسوس يخضع لتدريبات عديدة من أجل المزيد من الفاعلية، فللحصول على أكبر قدر من المعلومات يحتاج الجاسوس الى تعلم كيفية إقامة الكثير من الصداقات، والتي يطبق عليها معارف متقدمة في الاتصال بحيث يتعلم كسب الاشخاص لوجهة نظره والوسائل التي تجلب له اعجاب الآخرين وقبولهم بحيث يقنعهم بتبني وجهة نظره من دون أن يجعلهم يشعرون بالاهانة او يقلل من شأنهم. كما ينبغي للجاسوس أن يكون فضولياً يقترب عمله من عمل الصحافي، ويختار نشاطات تشكل غطاء مناسباً للقيام بهذه المهام. والجاسوس يمضي وقته في الكذب، وهذا يتطلب ذاكرة ممتازة وسرعة بديهة من دونهما يصبح في خطر داهم.

    الكذب ليس فقط ليحمي معلوماته، لكن لكي لا يقع في التناقض.

    القضية في هذه الحالة لافتة جداً وتجعلنا نتعمق في المسألة ونفكر في أسبابها الكامنة خلف الكليشيهات السهلة عن العمالة، ونتساءل بعمق عن معنى “بيئة حاضنة” ومواصفاتها، وعن معنى الخيانة في حالتنا اللبنانية. ثم خيانة من؟ في بلد مقسوم على ذاته ويتسع لاصطفافات بعضها يخوّن البعض وتستسهل نعت كل من يخالفنا الرأي بالخيانة، بحيث سفّهت هذه الكلمة وفقدت معناها. كما لاحظنا اختلاف المواقف باختلاف المتهمين بالتهمة نفسها، فتثار ردود فعل متباينة بحسب المتهم، وما علينا سوى قراءة التعليقات بعد اعتقال كرم نفسه، مع تلك التي وردت ضد المتهم السابق قزي من الأطراف أنفسهم! والسؤال ماذا لو كان الجاسوس من جهة 14 آذار المتهمة كلها مجاناً بالعمالة؟ وماذا عن التهديد المبطن بكشف عملاء سياسيين من هذه الجهة؟ ولماذا الانتظار اذا ما كان الاتهام صحيحاً؟ أم أن المسألة مسألة انتقام وتعادل في الخيانة؟! أين الموقف الجامع هنا ومصلحة “الوطن أولاً؟” وماذا عن سؤال لماذا الآن، في اتهام مبطن للجهاز الذي قبض على المتهم؟ وكأن هناك وقتا معيناً للقبض على جاسوس؟!

    لفهم الحاضر لا بد من العودة الى الماضي، حيث نجد أن الاتفاق على العدو هو وحده الذي يحدد التعامل مع هذا العدو كخيانة. “العدو” في لبنان تبدل واتخذ وجوهاً متغيرة على امتداد الحرب، فتارة هو الفلسطيني او المسلم، وطوراً هو المسيحي أو السوري، وبأشكال متناوبة. اما الاتفاق على عدو وحيد على المستوى الوطني العام، فلم يحصل سوى أخيراً بالنسبة إلى إسرائيل وبعد تجارب مُرّة تعرّض لها من اعتبرها صديقاً ذات يوم. لكن طوال الحرب الأهلية لم يكن هناك عدو واحد واضح. السبب انه لم يكن هناك معنىً واحد لفكرة “الوطن” لجميع مكونات المجتمع اللبناني، ولم تكن فكرة الوطن اللبناني حتى مقبولة بعد من الجميع. بالتالي كان هناك العدو الشخصي، وعدو الفئة او الحزب السياسي، وعدو الطائفة. مثلما برز المذهب وأعداؤه، إن من المذاهب الأخرى أو ممن لا يخضع من المذهب نفسه للرؤيا السياسية للممسكين بقيادته. ولم يكن هناك “عدو” نتفق عليه لـ”لبنان”. فحتى الآن نتساءل أي لبنان نريد؟

    إن تحويل الولاء الى الطائفة اولاً وإلى الانتماء الفرعي مهما كان، يسهّل التعامل مع الشيطان نفسه ضد الطائفة المعادية او الفئة او المذهب. فالبيئة الحاضنة بالمعنى الواسع تعني أيضاً الأسباب التي تدفع بأحد ما الى سلوك ما.

    بغض النظر عن هذه التقلبات والتبدلات على مستوى التحالفات ورفض فكرة الوطن، يجب أن نسأل أنفسنا عن السبب العميق الكامن خلف “الخيانة”، بمعنى التعامل مع “عدو”. أليس الخوف؟ وما الذي يتسبب بالخوف عند الشخص؟ سوى شعوره أنه مهدد في وجوده وفي كينونته، ذلك الشعور الوجودي الذي تعرفه الأقليات جيداً ويدفعها أيضاً الى خيارات قد تكون غير حكيمة. ثم ما معنى التعرض الدائم للتهديد اليومي في مواجهة خصم يتوعد بهدم البلد على رؤوس مواطنيه؟ وبـ77 أياراً آخر وما شابه من الاستقواء والعنف الرمزي المتواصلين؟ ما يجعل البعض من اللبنانيين، ما لم يكونوا مؤمنين وذوي عقائد ومبادئ قوية يقتنعون بها، معرضين للسقوط فيلجأون الى الشيطان لحماية انفسهم. وهذا ما قام به جزء لا يستهان به من اللبنانيين عندما شعروا بأنهم مهددون من السلاح الفلسطيني بغطاء “وطني” لبناني. فلماذا نجبر التاريخ على ان يعيد نفسه؟ ذلك انه لن يكون سوى مهزلة. إن من تورط مثل الجواسيس الذين نكتشفهم الآن، أي منذ سنوات عديدة، قاموا بما اعتبروه دفاعاً مشروعاً عن النفس من وجهة نظرهم. وتورطهم نفسه ربما يعوّقهم عن مراجعة انفسهم.

    بالطبع هذا ليس دفاعاً عن الجواسيس ولا طلباً للرحمة لهم أو الرأفة بهم، فليتحمل كل فرد نتيجة خياراته بحسب القانون فقط لا غير. فهذه تعدّ خيانة عظمى. لكن السؤال حول الفائدة والمغزى من محاكماتهم عندما تحصل، وما إذا كنا سنتعلم الدرس للأيام المقبلة وإذا ما كنا سنستفيد من تجاربنا السابقة.

    ما يتحمله اللبنانيون المتروكون لأمرهم وما يتعرضون له من الضغط المستمر منذ أكثر من 30 عاماً يفوق قدرة البشر على التحمل، ويتركهم يأسهم لأقدارهم التعيسة.

    من الصعب تحمل الشعور بالهزيمة، لذا علينا باحترام الحريات في لبنان وأولها حرية الرأي والتعبير وعدم اتهام الخصوم بالعمالة كيفما اتفق لمجرد اختلافهم في الرأي.

    فالحفاظ على لبنان “الوطن” يتناقض مع ترسيخ العداوة لنصف المجتمع. المطلوب ترسيخ الوطنية الجامعة والولاء للوطن والتخلي عن الانتماءات الضيقة والمذهبية، التي يصعب ضبطها عندما تنفلت غرائزها؛ لذا إن التخفيف من البحث عن الدعم الفئوي والمذهبي العابر الحدود والقوميات والتبشير بالحرب ربما يكون أسلم. والحماية الحقيقية للوطن تأتي من مؤسسات الدولة الشرعية. والحماية للجميع لن تأتي إلا من وحدة اللبنانيين لإحقاق العدالة وعدم جعلها معادية للحقيقة وسبباً للعنف.

    منى فياض
    جريدة النهار
    11.08.2010

    Leave a Reply