• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    ريختر الوطنية

    يتبارى اللبنانيون في قدح العمالة والعملاء، والمزايدة في الذم، بحسب انتماء العميل الديني والمذهبي والسياسي والمناطقي. وإذ يستهول هؤلاء عدد المتّهمين بالعمالة، ويغرقون في التنظير لما يسمونه “البيئة الحاضنة”، يتغافلون عن الحقيقة العارية إلى حد يعميهم عن رؤيتها، وهي غياب الوطنية عند اللبنانيين جميعاً، وبلا استثناء، لمصلحة “وطنيّات” يقيمها كل طرف على حدة، ربطاً بمصالحه المتنوعة، وامتداداته ومرجعياته، محلية وإقليمية ودولية.

    فالوطنية التي يتغنّى بها هذا أو ذاك من القيادات السياسية ليست واحدة. هي من الأمور النسبية عندهم. كما العدل والحرية والنزاهة والحق والجمال والبشاعة، كلها تفتقر إلى مقياس محدّد. فهل لدى هذه القيادات خصوصاً، واللبنانيين عموماً، فهْمٌ واحدٌ للوطنية؟

    في المبدأ، الوطنية هي التعصّب للوطن، أرضاً وشعباً، إلى حد اعتباره الأفضل والأرقى بين كل البلدان، على حد تعبير جورج برنارد شو.

    وفي المبدأ، فإنّ الوطنية هي شعور مشترك بين مجموعة بشريّة بالانتماء إلى وطن، يعززه التوحّد حول قيم مشتركة، ما يوصل إلى الإحساس بحب هذا الوطن والاعتزاز به.

    الانتماء إلى الوطن شرط ضروري لكنّه غير كافٍ لتأكيد المواطنية. فلهذه لبِناتٌ تُبنى عليها، أبرزها الولاء للأرض والشعب، بحسب النظم الديموقراطية، ويُضاف إليها الحاكم في النظم الديكتاتورية، وهي في الحالتين ممارسة تتمظهر في الحياة اليومية بأشكال مختلفة ومقامات متعدّدة، فهل هذه حال اللبنانيين؟

    لم يجزم اللبنانيون يوماً بفهمٍ موحّد للوطنية، على الأقل منذ الاستقلال. يومها، وبرغم “التواطؤ” بين “لبنانيي سوريا” و”لبنانيي فرنسا” على النفيين الشهيرين، ظل القرب من سوريا، أياً يكن نظامها، عنواناً للوطنية عند الأوَّلين، فيما رغبة الالتحاق بالأم الحنون، فرنسا، مقياساً للبنانية عند الاخيرين.

    وتقلّبت الوطنية عند كل طرفين متواجهين، داخلياً، على عتبات الدول الأخرى، من مصر والسعودية وحتى الجزائر، من دون أن ننسى المقاومة الفلسطينية، من جهة، إلى الولايات المتحدة الأميركية، وإسرائيل من جهة أخرى.

    وفي بعض المراحل سقط احتكار الانتماء. من ذلك ما جرى في مرحلة تداعي الناصرية بعد حرب 1967، حين رُفعت صور الملك فيصل بن عبدالعزيز في الأشرفية، مقابل صور “الحاج محمد ديغول” في المزرعة والطريق الجديدة.

    أما في الراهن من الأيام، فيحار الناظر بين ألوان “الوطنيات” اللبنانية. فمنها الإيراني والسوري الخالصان، ومنها ما يمزج بينهما، ويواجههما الأميركي، تحديداً المتهم بالأمركة، والمتغرّب، أي المتودّد إلى الغرب، وإسرائيل. وفيما ينكر الاخيرون ذلك، يتباهى الأولون بـ “نسبهم” السياسي وولائهم الديني، الى حدٍ يؤكد صحة قول المفكر منح الصلح: “اللبنانية ليست جنسية… إنها مهنة”.

    السؤال المتحدر من هذه الوقائع هو: وفق أي معايير يمكن تمييز الوطني من غير الوطني؟

    إسرائيل هي العدو، وهذه من مسلّمات الوطنية، أيا تكن. لكن أليست العمالة هي، في إحدى صورها وأوضحها، خدمة مصالح دولة أخرى، غير دولة الوطن الذي يفترض أننا ننتمي إليه، ونعتز به؟

    إسرائيل، التي يستشهد بصحافتها وأقوال رئيس أركانها، الأمين العام الأشهر، هي ربيب الولايات المتحدة الأميركية، وتعيش من نسغها. مع ذلك لم تمتنع واشنطن عن محاكمة أميركيين تجسسوا لمصلحتها. كالخبير لدى وزارة الدفاع الأميركية لورنس فرانكلين، والموظف في البحرية الأميركية جوناثان بولارد الذي اعتقل قبل عشرين سنة تقريباً وخلال إدارة الرئيس رونالد ريغان، بتهمة التجسس لإسرائيل، واعترف وحكم عليه بالسجن المؤبد. في البداية، تبرأت منه إسرائيل، ثم قالت إنه “تطوع لجمع معلومات لم تطلب منه”، ثم تحملت مسؤولية تجسسه ثم بدأت سلسلة مناورات لإطلاق سراحه.

    ما تقوله هاتان الواقعتان الاميركيتان هو أن الوطن أولوية على ما وراء الوطن… أياً يكن هذا الماوراء. فهل هذه حال اللبنانيين؟ وقد باتت الوطنية في معايير العالم ملتصقة بالحدود الجغرافية والسياسية المعترف بها، وليس بالطموحات الإيديولوجية؟

    العمالة لإسرائيل هي قمة كل عمالة، وإذا كان لذلك مقياس ريختر فهي تسجل 10 على 10. لكن أليس في لبنان حالات لها على سلّم ريختر قياس، ربما أقل بكثير، لكنها تستحق أن تقاس به؟

    مفهوم الوطنية في الأنظمة الديكتاتورية يتبع قرار الحاكم. وفي أنظمة قوى الأمر الواقع يتبع ديكتاتورية رهبة السلاح.

    راشد فايد
    جريدة النهار
    10.08.2010

    Leave a Reply