• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    نظام الفتنة

    يوحي تراجع التوتر في شأن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، بفعل القمة العربية الثلاثية، أن اللبنانيين تجاوزوا مرة جديدة خطر فتنة سنية – شيعية كادت تذر بقرنها لولا أن تدخّل المصلحون وأهل الخير.

    بيد أن ما قبل التهدئة يشبه كثيراً ما بعدها، وينذر هذا بنشوب أزمة إضافية في العلاقات بين الطوائف اللبنانية. والناظر خلف ستار المهاترات اللفظية والإعلامية لن يفاجأ بوجود علّة قديمة تتحكم في رفع حرارة الخطوط الواصلة بين الجماعات، كلما بدا أن مصالحة، بجهود خارجية دائماً، قد تحققت قبل ثوانٍ من وصول عربة اللبنانيين إلى حافة هوة ما لها من قرار.

    العلة هذه، ليست غير نظام تقاسم السلطة بين الطوائف، وهو الذي يجعل أنواعاً شتى من المتغيرات تهدد عمله ودوامه. الصراع العربي – الإسرائيلي لا يقل تأثيراً على نظامنا البائس هذا، عن التغير الديموغرافي وتبدل أعداد السكان صعوداً أو هبوطاً. الترجمة الفورية لأي تغيير خارجي أو داخلي هو تشنج الفريق الذي يرى نفسه مهدداً وشروعه في البحث عن مصادر قوة.

    المتصفح للحوليات اللبنانية، لن يواجه صعوبة في العثور على براهين السلوك «البافلوفي» هذا: كل تغير هو إنذار باضطراب أوجه الحياة في لبنان، من السياسة إلى الثقافة. ومن تبدل الأنظمة الملكية في مصر والعراق في خمسينات القرن الماضي، إلى تصاعد الدور الإيراني بعد الغزو الأميركي للعراق، ومن خسارة المسيحيين أكثريتهم السكانية إلى بروز الشيعة كأكثر الطوائف حيوية وتطلباً لحقوق في توسيع التمثيل في مؤسسات الدولة، عوامل شكّلت لوحة الحياة اللبنانية وأسبغت عليها كمية كبيرة من التعابير الرمزية واللغة الإصطلاحية التي تبطن غالباً غير ما تعلن.

    ومن السذاجة بمكان الاعتقاد أن تسوية سنية – شيعية، برعاية عربية ودولية حكماً، تقوم على منع توجيه الاتهام إلى عناصر في «حزب الله» بالتورط في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، كفيلة بالحيلولة دون الانزلاق إلى الفتنة. فالجولة الماضية من التوتر في لبنان، أي تلك التي انتهت بأحداث السابع من أيار (مايو) 2008، لم يكن «حزب الله» متهماً في أثنائها بالتهمة المذكورة. فالاحتجاجات التي سبقت الأحداث تلك ومهدت لها وشملت الاعتصام الشهير في وسط العاصمة كانت ترمي إلى إرغام الحكومة على الاستقالة لأسباب تشكل المحكمة الدولية خلفية بعيدة لها.

    الخط البياني للخلافات اللبنانية يكشف أن أطراف الانقسام تتغير بتغير المعطى المحلي أو الخارجي. فالانقسام السني – الشيعي سبقه آخر مسيحي – مسلم، وبين هذا وذاك سلسلة من الصراعات الفرعية الشيعية – الشيعية والمارونية – المارونية والدرزية –الشيعية، ناهيك عن حالات فرز عميقة بين الفلسطينيين واللبنانيين وبين هؤلاء وبين سورية وبين هذه وبين الفلسطينيين. ومما يتعين الانتباه إليه أن أياً من الصراعات والانقسامات تلك لم ينته سوى بواحد من حلين: إما القهر العسكري والأمني، وإما اتفاق على تقاسم الغنائم التي تتألف من مال عام وحصص في السلطة وأدوار في العلاقات مع الخارج المنخرط في سياسات لبنان.

    عليه، يجوز الجزم أن المرحلة الراهنة من التوتر المخفف بالقمة العربية، سينتهي بعد حين، قريب أو بعيد، نهاية عنيفة أو سلمية، لا فرق طالما أنه سيكون أساس الانقسام التالي وأرضيته.

    قيل في أوائل السبعينات، وحيال صراعات وانقسامات مشابهة في المضمون، أن علمنة النظام اللبناني هي المخرج من الدائرة المغلقة هذه. لكن لم تمض سنوات قليلة واكتشف العلمانيون أنهم أضعف من النظام الذي يريدون تغييره، فتفرقوا على قبائلهم لا يلوون على شيء.

    حسام عيتاني
    جريدة الحياة
    06.08.2010

    Leave a Reply