• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    حزب الله والمعركة الخاسرة

    يخوض “حزب الله” معركة خطرة وخاسرة مع الغالبية الواسعة من اللبنانيين ومع المجتمع الدولي والمجموعة العربية ترتكز على التهديد بالقوة وبتفجير الأوضاع في البلد لمحاولة إحباط المحكمة الخاصة بلبنان المكلفة النظر في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وفي جرائم سياسية أخرى لأنها اقتربت من لحظة الحقيقة. ويصطدم “حزب الله” في محاولته هذه بالتفاهم السعودي – السوري الذي كرسته قمة بيروت بين الملك عبدالله بن عبدالعزيز والرئيسين ميشال سليمان وبشار الأسد والذي يدعم الأمن والاستقرار في البلد. وما يريده “حزب الله” ليس انتظار صدور القرار الظني عن المحكمة بل عقد صفقة ما منذ الآن مع أطراف لبنانيين وجهات اقليمية مؤثرة تشمل ضمان استمرار الأمن والإستقرار في مقابل تخلي المدعي العام الدولي دانيال بلمار عن توجيه الإتهام في قراره الظني الى عناصر من الحزب بالتورط في جريمة اغتيال الحريري إذ أن الحزب يدرك ان اتهام عناصر منه يعني اتهام قيادته بالتورط في هذه الجريمة لأن اغتيال الحريري على افتراض ان هذا ما ينوي ان يفعله كان نتيجة قرار سياسي كبير ولم يكن عملا يمكن أن يقوم به أفراد غير منضبطين. ومجرد صدور قرار ظني كهذا يضعف الحزب داخليا واقليمياً ويلحق أضراراً بالغة برصيده وسمعته وبعلاقاته مع الأفرقاء اللبنانيين المعنيين بالأمر ويزيد الضغوط عليه للتخلي عن سلاحه.

    لكن المأزق الحقيقي الذي يواجهه الحزب أنه ليس قادراً على تحقيق هدفه هذا بالاعتماد على السلاح والعنف أو بجر البلد الى نزاع مسلح كما فعل في أيار 2008 أو بتفجير حرب مع إسرائيل أو بمهاجمته قوات اليونيفيل في الجنوب لأن هذه الأعمال كلها ستعّرض الحزب لأخطار جدية ولن تعرقل في أي حال عمل المحكمة بل إنها ستزيد تصميم الدول والجهات المعنية على كشف حقائق جريمة إغتيال الحريري وعلى ملاحقة المتورطين فيها. والواقع أن “حزب الله” وحلفاءه لا يملكون خيارات جيدة وملائمة للتعامل مع قرار ظني كهذا بل إن كل الخيارات التي يمكن أن يعتمدوها سيئة وغير مجدية ما دامت تدخل في إطار المواجهة مع الغالبية الكبرى من اللبنانيين ومع المجتمع الدولي والمحكمة وتهدف الى عرقلة تحقيق العدالة”.

    هذا هو تقويم جهات أوروبية رسمية في باريس معنية مباشرة بتطورات الأوضاع في لبنان استناداً الى المعلومات التي حصلت عليها من بيروت ودمشق والقاهرة وعواصم أخرى. وأوضحت لنا مصادر ديبلوماسية أوروبية وثيقة الاطلاع “ان ما يتخوف منه “حزب الله” ليس صدور قرار ظني ضعيف خال من الأدلة والمعلومات المقبولة قانونياً بل صدور قرار ظني قوي يتضمن معلومات وأدلة وقرائن ووثائق واضحة وصلبة ويتم على أساسها اتهام عناصر من الحزب وربما أشخاص آخرين بالتورط في جريمة اغتيال الحريري”.

    ورأت المصادر الأوروبية ان موقف “حزب الله” من المحكمة ضعيف فعلاً بقطع النظر عن التصعيد الكلامي الذي يعتمده وذلك للأسباب الآتية:

    أولاً – يحاول “حزب الله” تحريض اللبنانيين على العدالة وإقناعهم بأن المحكمة تجلب الخراب للبنان. لكن الحقيقة الواضحة أن الذين اغتالوا الحريري ورفاقه وعدداً كبيراً من الشخصيات الوطنية واستخدموا السلاح والعنف في الصراع السياسي الداخلي هم الذين جلبوا الخراب والفتنة الى لبنان. أما المحكمة فإنها تنشد العدالة وتصحيح الأوضاع.

    ثانياً ـــ موقف “حزب الله” الرافض المحكمة يستند الى التهويل والتهديد باستخدام القوة وليس الى الحقائق والأدلة والمعلومات والوقائع المقنعة. وهذه نقطة ضعف أساسية.

    ثالثاً – “حزب الله” هو الذي يحاول تسييس عمل المحكمة إذ انه يريد القرار الظني الذي يلائمه ويرفض انتظار صدور هذا القرار ليحكم عليه بل إنه يؤكد سلفاً أن القرار ظالم وخال من أي أدلة ومعلومات صحيحة ويرفض كذلك وجود المحكمة متراجعاً عن موافقته عليها في مؤتمر الحوار الوطني وفي البيان الوزاري لحكومة سعد الحريري، حتى انه يصف المحكمة بأنها مشروع إسرائيلي من غير أن يقدم أي دليل على هذا الاتهام. و”حزب الله” يتصرف على أساس أنه يريد أن يكون في وقت واحد المحقق والمدعي العام والقاضي الذي يصدر الأحكام لأنه على اقتناع بأن بلمار سيتهم بعض عناصره بالتورط في جريمة اغتيال الحريري.

    رابعاً – يطلب “حزب الله” المستحيل من الأطراف المعنيين بالقضية. فهو يريد من أهل الضحايا أن يقبلوا وجهة نظره ويتراجعوا عن المطالبة بتحقيق العدالة وإلا عوقبوا. ويريد من الدولة اللبنانية أن تتراجع عن التزاماتها وتقف ضد قرارات مجلس الأمن والشرعية الدولية. ويريد من المجتمع الدولي أن يرضخ له ولتهديداته ومن قضاة المحكمة أن يقبلوا حكمه المسبق على عملهم وقراراتهم المحتملة، وذلك في مقابل الامتناع عن جر البلد الى ما هو أخطر من 7 أيار 2008. ووفقاً لما قاله ديبلوماسي أوروبي مطلع، ان “رسالة “حزب الله” الى الجميع هي أنه مستعد للتضحية بمصالح اللبنانيين وبأمن لبنان واستقراره من أجل محاولة حماية بعض عناصره من تهمة التورط في جريمة اغتيال الحريري. وهذا الموقف مرفوض لبنانياً وعربياً ودولياً على أوسع نطاق. وهذه هي الورطة الكبرى لـ”حزب الله”.

    التخلي عن المحكمة أخطر من التمسك بها

    وفي هذا المجال افادت المصادر الأوروبية المطلعة أن المشاورات الدولية – العربية التي جرت أخيراً أظهرت وجود تفاهم دولي – عربي على أن التخلي عن هذه المحكمة ذات الطابع الدولي أكثر خطورة من التمسك بها ومواصلة تأمين الدعم الكامل لها كي تنجز مهمتها، وذلك للاعتبارات الأساسية الآتية :

    أولاً – إن الدول العربية والأجنبية الحريصة على مصير لبنان لم تدعم تشكيل لجنة تحقيق دولية بعد اغتيال الحريري ورفاقه في شباط 2005 وإنشاء محكمة خاصة بقرار صادر عن مجلس الأمن استناداً الى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، كمناورة سياسية أو كوسيلة ضغط على هذه الجهة أوتلك، بل فعلت ذلك من أجل وضع حد للاغتيالات السياسية من خلال ملاحقة ومحاسبة ومعاقبة المتورطين في هذه الجريمة وفي جرائم سياسية أخرى وذلك حفاظاً على الأمن والاستقرار والسلم الأهلي في لبنان والمنطقة. وترى هذه الدول أن جريمة اغتيال الحريري وشخصيات أخرى ليست قضية لبنانية بحتة بل انها قضية إقليمية ودولية ويتم التعامل معها على هذا الأساس.

    ثانياً – إن هذه المحكمة وكل ما يرتبط بها ليست أداة في أيدي حكام دولة واحدة بل انها، بمرجعيتها ونظامها وآليتها وطريقة تشكيلها ومنهجها، عملية دولية واسعة يقودها مجلس الأمن وتشارك في إدارتها الدول الخمس الكبرى ودول عربية وأجنبية عدة أمنت لها الحماية السياسية والديبلوماسية والدعم المادي اللازم لكشف الحقيقة ومعاقبة المتورطين في هذه الجرائم.

    ثالثاً – هذه المحكمة ليست خاضعة لأي إملاءات أو ضغوط أو تدخلات خارجية بل انها هيئة دولية مستقلة تعمل بشفافية تامة ويتحكم بعملها وتوجهاتها قضاتها الذين ينتمون الى دول عدة والذين يتمتعون بخبرة واسعة ويعملون وفقاً لأعلى المعايير القانونية. ولذلك فإن قضاة هذه المحكمة لن يتأثروا بهذه الحرب النفسية – السياسية – الإعلامية التي أعلنها عليهم “حزب الله “، بل إن المدعي العام الدولي دانيال بلمار سيصدر قراره الظني في جريمة اغتيال الحريري ورفاقه وربما في جرائم سياسية أخرى قبل نهاية هذه السنة معتمداً على الأدلة والمعلومات والقرائن والوثائق والشهادات القوية الصلبة لدى توجيهه الاتهام الى المتورطين في هذه الجرائم. ويفقد القرار الظني قيمته تلقائيا ولن يصمد أمام المحكمة إذا لم يتضمن الأدلة والمعلومات القوية والصحيحة الكافية التي تدعم الاتهام الموجه الى المتورطين. وهذا ما يدركه بلمار تماماً.

    رابعاً – يتحرك بلمار وقضاة المحكمة على أساس ان تحقيق العدالة وإنصاف أهل الضحايا ومعاقبة المتورطين في جريمة اغتيال الحريري وفي جرائم أخرى هو ما يضمن الأمن والاستقرار ويعزز السلم الأهلي في لبنان لأن ذلك يضع حداً للإفلات من العقاب ويشكل رادعاً قوياً لمنع استخدام السلاح والعنف في الصراع السياسي الداخلي.

    وهذا المنطق يتناقض كلياً مع منطق الخائفين من القرار الظني والذين يريدون وضع اللبنانيين أمام خيارين: اما التخلي عن المحكمة من أجل الحصول على الإستقرار والأمن واما التمسك بالمحكمة وبتحقيق العدالة وجر البلد الى دوامة العنف والإقتتال. و”حزب الله” ليس لديه، تالياً، عرض سخي ومنصف يقدمه الى اللبنانيين بل إنه يضعهم أمام خيارين سيئين.

    الصفقة المستحيلة

    خامساً – تدرك الدول المعنية بالأمر وكذلك قضاة المحكمة ان رضوح المجتمع الدولي للتهويل بالعنف وللتهديد بتفجير الأوضاع السياسية والأمنية في لبنان اذا وجه القرار الظني الإتهام الى عناصر من “حزب الله” بالتورط في جريمة اغتيال الحريري هو ما يشكل خطراً حقيقياً جدياً على لبنان وسلمه الأهلي وأمنه واستقراره وعلى الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية لأنه يعني استسلام المجتمع الدولي لمنطق القوة المسلحة. وهذا الاحتمال مرفوض كلياً لدى الدول المعنية بالأمر لأنه يتناقض مع مسؤوليات مجلس الأمن والمجتمع الدولي والمجموعة العربية حيال لبنان وشعبه، كما يتناقض مع التزام عدد كبير من الدول دعم لبنان المستقل السيد وحماية أمنه واستقراره بوسائل مختلفة، ويشكل، في حال حصوله، سابقة بالغة الخطورة لها انعكاساتها السلبية على المنطقة ككل وليس على بلد معين فحسب.

    سادساً – ليس وارداً إطلاقاً بالنسبة الى مجلس الأمن والدول المعنية بالأمر عقد صفقة مع أي جهة لبنانية أو إقليمية تؤدي الى وقف عمل هذه المحكمة أو تحول مسارها أو تمنع صدور القرار الظني أو تؤجل إصداره الى موعد غير محدد أو تغير مضمونه بحيث يتخلى بلمار عن اتهام عناصر من “حزب الله” بالتورط في جريمة اغتيال الحريري حتى لو امتلك أدلة ومعلومات عن تورطهم في الجريمة. إن عقد صفقة كهذه مسألة بالغة التعقيد الى حد انها مستحيلة لأن هذه الصفقة يتطلب التوصل اليها اتخاذ ثلاث خطوات أساسية هي: أولاً إقدام مجلس الأمن على إصدار قرار جديد بموافقة الدول الكبرى يلغي قراراته السابقة ويتضمن التراجع عن كل ما قامت به لجنة التحقيق الدولية والمحكمة منذ العام 2005 الى اليوم وذلك استجابة لطلب “حزب الله “. وهذا ما لم يحصل في تاريخ مجلس الأمن. ثانياً رضوخ قضاة المحكمة لمثل هذا القرار، في حال حدوثه، وهو أمر مستحيل، وتخليهم تالياً عن نتائج التحقيق في الجرائم المرتكبة. ثالثاً إطلاع الرأي العام اللبناني والدولي على الأسباب التي تدعو الى وقف كل الجهود الهادفة الى كشف حقائق جريمة اغتيال الحريري وجرائم سياسية أخرى شهدها لبنان في السنوات الاخيرة. وهذه أمور تشكل، في حال حصولها، فضيحة سياسية دولية كبرى لن تستطيع تحمل مسؤوليتها أي دولة أو جهة، خصوصاً ان ذلك يؤمن الحماية لمتورطين في جرائم سياسية وارهابية. ولذلك لن تحصل مثل هذه الصفقة.

    سابعاً – تفجير الأوضاع في لبنان اذا لم يتراجع بلمار عن توجيه الاتهام الى عناصر من “حزب الله” وربما الى آخرين بالتورط في جريمة اغتيال الحريري لن يحقق للقائمين به أي مكاسب ملموسة ولن يمنع المحكمة من مواصلة مهمتها ومن إصدار القرار الظني ومحاكمة المتهمين غيابياً مع كل ما يترتب عن ذلك من نتائج وعواقب. وفي حال اقدام “حزب الله” فعلاً على تفجير الأوضاع فإنه يتحمل حينذاك المسؤولية عن عملين خطرين وكبيرين: الأول هو الوقوف في وجه العدالة والاصرار بأي ثمن على تأمين الحماية لبعض عناصره ومسؤوليه، والثاني هو جر البلد الى فتنة واسعة ونزاعات مسلحة وهو ما يجلب الخراب والخسائر الفادحة للبنانيين وهم أساساً غير مسؤولين عما تقوم به المحكمة وغير قادرين على وقف عملها. والدول المعنية بالأمر لن تقف مكتوفة ولن تترك لبنان يسقط أمام هجمات الذين يريدون بالقوة طمس الحقيقة ومعاقبة أهل الضحايا لأنهم يتمسكون بحقهم المشروع في تأمين العدالة. وهذه الدول تملك القدرات والامكانات الملائمة اللازمة لتأمين الحماية للبنان ولعمل المحكمة الى أن تنجز مهمتها.

    ووفقاً لما قاله مسؤول عربي كبير زار بيروت ودمشق أخيراً في إتصال مع وزير أوروبي: “يجب أن يدرك “حزب الله” ان العنف لن يسقط المحكمة. وإذا ما اقدم “حزب الله” مع حلفائه، على تفجير الأوضاع في لبنان رداً على صدور القرار الظني أو قبل صدوره، فإنهم سينتقلون من مأزق خطر الى مأزق أكثر خطورة بالنسبة اليهم، ولن يؤدي ذلك في أي حال الى إفلات المتورطين في جريمة إغتيال الحريري ومن يدعمهم من الملاحقة والمحاسبة في شكل أو في آخر. ولن يربح “حزب الله” شيئاً من تفجير الأوضاع بل إنه سيخسر الكثير”.

    عبد الكريم أبو النصر
    جريدة النهار
    06.08.2010

    Leave a Reply