• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    صوت… فوق الهدير

    أحلى ما في مشهد “الفيروزيين” المعتصمين امام المتحف الوطني في بيروت، نقطة “التوحيد” النفسي والرمزي لدى اللبنانيين، اول من امس، ما اطلقه “الفيروزيون” المعتصمون ضمنا بعيدا عن موضوع الاعتصام، هو اشهار الصوت الفيروزي في فضاء ازمة لبنانية تتلبد وتزحف بسرعة.

    في معزل عن “النزاع” بذاته الذي استدرج هذا الاعتصام، لعله يصح الوقوف عند مقلب آخر هو معاينة طبائع لبنانية تنفعل بشدة امام خطرين، خطر مسّ “مقدساتها”، وخطر مسّ امانها واستقرارها مجددا. ليس مسبوقا في لبنان، هذا التعبير المستقى من التقاليد السياسية، بان يجري التداعي الى “اعتصام” لنصرة “صوت” في نزاع قانوني.

    الاعتصامات والتجمعات والتظاهرات والتحشيدات هي في الغالب للسياسة، واحدث وجوهها في لبنان هي “الاصطفافات”. اما صوت فيروز واعمال الاخوين رحباني، فحلقوا بلبنان الى عالم آخر وحفزوا وجدان اللبنانيين ومشاعرهم و”الطبقة الراقية” في طبائعهم الى حد صارت معه فيروز والاخوان رحباني “الهوية” الحضارية الملاصقة للهوية الوطنية تماما.

    ان تستدرج ظاهرة الاصطفاف الى هذا المطرح الذي لم يمس يوما، فهو امر طارئ تماما في طبائع اللبنانيين، بعيدا حتى عن السبب المباشر المتصل بنزاع قانوني. ولكن ما يعنينا كمواطنين، من الظاهرة، هو الصراخ الايجابي الملحّ الذي يرفض حجب صوت “مقدس”، ولو ان التعبير “الاصطفافي” في النزاع يشكل بذاته صدمة. كل ما هو مستقى من تقاليد السياسة الرائجة وانماطها، في امر يتصل بعالم محلق مختلف عنها، بل مناقض لها، لا يفترض ان يشعل تصفيقا زائفا ومداهنا. والمسألة هنا هي في سطوة ثقافة “الاصطفاف” وتمددها حتى الى هذا “العالم” الآخر في لبنان، كأن الرحابنة وفيروز لم ينجوا هم انفسهم من ان يصبحوا مسببا للاصطفاف، في مشهد اعتصام نادر ولو مدفوع بعواطف تقرب من “التقديس”.

    وفي المقابل، فان اعتصاما بصوت فيروز ومن اجله، وعند نقطة مثقلة برمزية الحرب المدمرة وبشغف السلام في آن واحد، ليس مشهدا عابرا يمر في يوميات اللبنانيين. فكيف حين يتزامن مع لحظة سياسية تحبل بكل ما يخيف مجددا من ايحاءات الاحتدام السياسي المتصاعد؟

    يخال للمراقب ان المعتصمين رفعوا امضى “سلاح” يملكونه، باسم جميع اللبنانيين، فاطلقوا صوت فيروز في قلب بيروت وعند “خطوط الفرز والوصل” وما كان يسمى اصطلاحا في زمن الحرب “خطوط التماس”، في وجه هذا الآتي البشع الجديد.

    بطبيعة الحال، يكتسب الامر صفة وجدانية هي غالبا الاضعف اطلاقا في التحكم بمجريات السياسة، ولم تكن يوما لتتمكن من تغيير حرف في مسارات الازمات اللبنانية المتعاقبة والموصولة منذ عقود. ومع ذلك واهم كل من لا يحسب بدقة مغزى رسالة كهذه، ان كان هناك من لا يزال يتراءى له ان اللبنانيين سيسلمون لمشيئات سياسية تبلغ حد وضعهم مجددا امام خطر حرب او فتنة وما شاكلهما من العبث بمصيرهم.

    فلنقل انها رسالة عاجلة لكل ذوي ثقافة الحرب وثقافة العنف، وثقافة الاستهانة بأربعة ملايين صوت لهوية الرحابنة وفيروز.

    وما الضير في ذلك ما دمنا لا نملك سوى الصوت فيما نقبع في يومياتنا بدور المتلقي لكل ما يرعب؟

    أليست مفارقة مذهلة ان تقزم “ازمة” صوت في لحظة كل الازمات وكل الاصوات وهدير الكلام، ولو من باب اصطفاف لدقائق؟

    نبيل بومنصف
    جريدة النهار
    30.07.2010

    Leave a Reply