• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    ملكات وأواليات للتحيز

    تطورت كثيراً ظاهرة انتخابات ملكات الجمال مع تطور وضع المرأة عموماً، وتطور علاقتنا بالجسد خصوصاً وجعله محور اهتمام مختلف فئات البشر. في العادة، لا أتابع بدقة هذه الانتخابات، ليس بسبب موقف خاص بالطبع، ولكن لأني من مدمني القراءة ومتابعة المرئي المكتوب، عبر مختلف الوسائل الالكترونية، وخصوصاً الأخبار على أنواعها، سواء السياسية أو الثقافية أو الفنية وغيرها. لذا عندما صدف وشاهدت دعاية لحفل انتخاب ملكة الجمال في الليلة نفسها، وبما أن البحث عن الجمال المثالي هو أحد مشاغل البشرية منذ القدم؛ قلت في نفسي لا بد من متابعة الحفل بطريقة حية ومباشرة هذه المرة وليس عبر القراءة عنها فقط. وخصوصاً أن قضية انتخاب ملكة جمال الولايات المتحدة، أثارت عاصفة لم تهدأ بعد بسبب فوز اللبنانية الأصل ريما فقيه بها، التي تحولت فجأة من مواطنة أميركية بسيطة لتصير ممثلة للبنان وللجنوب ولـ”حزب الله” خصيصاً. أوليست شيعية؟! ولا تزال بعض الصحف والمواقع الالكترونية الأميركية تنتقدها وتهاجمها. فلقد اتهمت بالترويج لـ”حزب الله” لمجرد ارتدائها مايوه أصفر اللون! وانتشرت مشاعر العداء ضدها، على الشبكة الالكترونية مباشرة بعد انتخابها، ما جعل مدير منتدى الشرق الاوسط بايبس يصرح في “صاندي تايمس”، وهو من المحافظين الجدد وعمل مستشارا للمرشح الرئاسي السابق، رودولف جيولياني من الحزب الجمهوري عام 2008، بأن عدداً من المسلمات فزن بمسابقات ملكات الجمال في دول غربية ومن ضمنهن سارة ميندلي التي فازت بلقب مكلة جمال نوتينغهام عام 2005. وواصل بايبس: “كلهن فاتنات لكن تكرار فوز مسلمات بلقب ملكات الجمال يجعلني أشك في أنهن يفدن من التمييز الإيجابي”، الأمر الذي جعل ريما فقيه تصرّح: “أنا ملكة جمال الولايات المتحدة، ولست ملكة جمال دين الولايات المتحدة”. في ما يتعلق بحقيقة علاقتها بـ”حزب الله”، وحول ما قيل أن النتيجة حُسِمت لصالحها في تلك المسابقة لأغراض سياسية أو دعائية، وما تردد أيضاً حول ما إذا كانت تستحق الفوز أم لا، أكدت فقيه في مقابلة لها، أنها وأسرتها تكنّان كل الاحترام لجميع الأديان، وإن كانت هويتها لا تُحَدَّد بواسطتها. وتابعت: “لو كنت خسرت مسابقة الجمال، لكان الناس سيقولون إنني خسرت لأني مسلمة. لكن من الطريف أن الناس صاروا يقولون إنني فزت لأنني مسلمة”.

    لماذا الحديث عن ريما فقيه لمناسبة انتخاب رهف عبدالله ملكة جمال لبنان؟ السبب نفسه. فلقد بدأت أسمع تعليقات هامسة من نوع مشابه، وتساؤلات حول انتخاب ابنة الخيام الشيعية (للمرة الأولى نعرف طائفة الملكة!) أيضاً ومرة أخرى، ملكة للجمال، الى تساؤلات من نوع: هل هي جميلة حقاً؟ هل تستحق اللقب أم أنها اختيرت لأنها مسلمة شيعية من الجنوب؟ تساؤلات تشير إلى “التمييز الإيجابي” نفسه المشار إليه، مع أنها في الحقيقة تتمتع بالجمال المنشود في هذه المرحلة: “جمال الخارج والداخل”، كما تكرر لجان تحكيم الانتخابات.

    عندما تترشح صبية لمسابقة جمال لتتأهل لحمل لقب ملكة، من المؤكد أن تصرفها هذا لا يعبّر سوى عن سلوك “فرد” بالمعنى الحديث للكلمة، بما يعنيه من القدرة على منح الذات استقلالها، أي قانونها الخاص. تظهر الفردانية مواصفات معينة لدى هذا الفرد وتمنحه مميزات خاصة كالتمايز والوعي بالذات والتمتع بحرية الرأي، مع قدر من الحرية الفردية والكرامة. أي أنها انعكاس لوعي فردي صرف في كيفية النظر الى النفس والتعامل معها؛ بما هو نقيض للسلوك “الجمعي” الذي يجعل من الشخص جزءاً عضوياً من جماعة متراصة ومتلاحمة. وتذهب الصبية عبر هذا السلوك عكس اتجاه آلية الانتماء الميكانيكي الذي يطبع سلوك الجماعات. لكن السخرية أن حركتها تلك، هي التي تعيدها إلى سجن الولاء الجمعي، وانعتاقها نفسه يدمجها بالقوة والتعسف في الموضع الذي لم ترغب البقاء فيه.

    وإذا افترضنا ان الفردانية اكتسبت مميزات جديدة في حقبة ما بعد الحداثة، فهي ليست سوى مزيد من الهشاشة على صعيد الهوية بحيث تُظهر تعدد انتماءات الفرد وتنوع مواقفه بطريقة متعارضة، بحيث تتجاور هوياته وأقنعته وتتراكم من دون أن يلغي واحدها الآخر. فلماذا التمييز عندما يتعلق الأمر بمسلمين وبالشيعة خصوصاً؟

    إنه ببساطة شديدة نوع من التحيز يعني حرفيا “الحكم المسبق” او ما نصدقه حول شيء او شخص، مرتكزين على افتراض اكثر من الارتكاز على تجربة حالية. وهو ما يُعرّف كنوع من النفور مرتكز على تعميم خاطئ وجامد. وهو كذلك، لأنه ينسب ببساطة الى بعض الأشخاص مميزات معينة على قاعدة انتمائهم الى مجموعة ما. وهذا ليس سوى تبسيط مبالغ فيه وجامد لصور ذهنية قد تحتوي على بذرة من الحقيقة لكنها تحمّل تعميمات خاطئة بنيت حولها، وهو ما يشكل قاعدة لسلوك التمييز العنصري.

    برز حديثاً عدد من القضايا ترتبط في ما بينها بخيط رفيع من التحيز والتمييز، من قضية الصحافية أوكتافيا نصر التي اضطرت الى الاستقالة من الـ”سي إن إن” بسبب رأيها الشخصي الإيجابي بالعلامة السيد محمد حسين فضل الله بعد وفاته، وكذلك الأمر بالنسبة الى السفيرة البريطانية فرنسيس غاي ومدونتها التي أزعجت إسرائيل بسبب رأي السفيرة فيه أيضاً، الأمر الذي جعل حكومتها تخفي الصفحة وتعتذر عنها. من دون أن ننسى هيلين توماس (89 سنة) عميدة مراسلي البيت الأبيض، وهي مسيحية ولبنانية الأصل، لإطلاقها موقفا لفظيا هاجمت فيه الاستيطان الإسرائيلي، فاتهمت بالعنصرية والعداء للسامية. في حين أن الموقف من ريما فقيه مقبول وعادل! كأني بالعالم ينحو إلى التحول نحو المزيد من العنصرية وقمع الحريات، من حرية الرأي إلى حرية السلوك الفردي، فلا يعود لهما أي حصانة. وبدل أن يتطور شرقنا السعيد نحو منح رعاياه المزيد من الحرية والعدالة والمساواة، فإذا بالغرب نفسه الموصوف بأنه “عالم حرّ” يفقد من حريته وقيمه ببطء ويقترب من قيم عالمنا الثالثي الذي لا فخر له على هذا الصعيد .

    منى فياض
    جريدة النهار
    18.07.2010

    Leave a Reply