• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    صناعة الغباء

    الغباء صناعة. نعم، الغباء يصنع. هو تماما كالحذاء، يصنع، كي يلبس … ولكن في الرأس لا في القدم.

    مثال على صناعة الغباء، يعلّم في مجال الرأي العام والدعاية السياسية، أن مجموعة باحثين وضعوا خمسة قرود في قفص، وعلقوا في مكان مرتفع منه موزة يتم الوصول إليها عبر سلم. وكانوا كلما تسلق قرد السلم ليصل إلى الموزة يرشون بقية القرود الأربعة بماء مثلج، ولا يتعرضون للقرد الذي سعى إلى الموزة. وبعدما تكررت محاولات الوصول إلى الموزة من قبل القرود الخمسة مع تكرار العقاب بالماء المثلج، بدأت القرود تنهال بالضرب على كل من يحاول صعود السلم.

    أخرج العلماء أحد القرود الخمسة وأدخلوا مكانه قردا جديدا. حاول صعود السلم، فضربه القرود الأربعة. حتى اعتاد عدم السعي إلى الموزة. قرد ثان من جيل الماء البارد استبدل بقرد جديد. وتكررت النتيجة حتى تعلم عدم محاولة الصعود. وهكذا حتى تم استبدال جميع قرود الجيل الأول من ضحايا الماء المثلج، وبقيت قرود الجيل الثاني، التي لم تختبر العقاب، تضرب أي قرد جديد يحاول السعي إلى الموزة.

    العبرة، هي أنه تم صنع أساس المنع مع الجيل الأول من القرود الخمسة عبر العقاب الجماعي، والعبرة الأهم أن الجيل الثاني تبنى ضرب أي قرد يسعى إلى الموزة مع أنه (أي الجيل الثاني) لم يختبر العقاب بالماء المثلج، بل ورث قناعة ضرب من يقترب من السلم.

    ما سبق هو مثال علمي لعملية “صنع قناعة” لدى رأي عام بالإكراه، ما يقتضي عقابا في المرحلة الأولى. إلا أن الأجيال الآتية تتبنى تلك “القناعة” تلقائيا، من دون الحاجة إلى إخضاعها للعقاب.

    بالانتقال من مجتمع القرود، أذكر أنه في 13 نيسان العام 1975، وكان يوم أحد، حصلت ما عرف بـ”حادث البوسطة” في منطقة عين الرمانة بضاحية بيروت الجنوبية. واندلعت الحرب الأهلية.

    بعد يوم أو يومين، صدرت صحيفة “المحرر” على ما أعتقد وعلى صفحتها الأولى خبراً رئيسياً عن اجتماع مزعوم بين رئيس الكتائب بيار الجميل، ورئيس الوطنيين الأحرار كميل شمعون، ورئيس وزراء إسرائيل على متن زورق حربي إسرائيلي في عرض البحر مقابل شاطئ جونية.

    تضمن ذلك “الخبر” الملفق ما يشبه محضر جلسة لذلك الاجتماع الذي لم يحصل، والقرارات المزعومة التي اتخذت خلاله لتنفيذ “مؤامرة” ضرب حركة التحرر العربية. كانت “التفاصيل” المدرجة في ذلك “الخبر” مترابطة جدا بحيث ينطبق عليها القول الرائج بالإنكليزية “شديدة الدقة إلى درجة أنها لا يمكن أن تكون حقيقية”.

    ومع ذلك صدقها جمهور طويل عريض واسع وانتشرت بين الناس، وفقد عدد “الصحيفة” من السوق. لم يكن هناك ماء مثلج يرش على الناس، ولكن كان هناك خوف، وقتلى، وضحايا، وعاطفة غبية، ساهمت في الحلول مكان العقاب بالماء المثلج في حالة القرود، فتبنى الناس “القناعة” المفروضة وساروا بها إلى … حتفهم.

    كنت أعتقد بعد انتهاء الحرب الأهلية في تشرين الأول من العام 1990 إن الشعب اللبناني راكم تجربة طورت إدراكه، ما يحصنه ضد مؤامرات صنع الغباء

    ولكن، فجأة، وبينما كنت أتابع شاشات التلفزة في الأسبوع الأول من شهر تموز العام 2010، أي بعد 35 سنة من تجربة مدرسة القرود الأولى، فوجئت بما يشبه تكرار “خبر” ذلك اللقاء المزعوم على متن الزورق ونتائجه.

    أحدهم قال إن “المخابرات الفرنسية” لديها “معلومات إسرائيلية” عن تفاصيل معينة تخص “المقاومة” في مناطق محددة من جنوب لبنان، وقد “كلفت” تلك المخابرات الكتيبة الفرنسية العاملة ضمن اليونيفل بتدقيق تلك “المعطيات”.

    ما أريد أن أقوله في هذا المجال هو أنه، وبحسب قناعتي، فإن الرسول محمد (صلعم) هو خاتم الأنبياء، وآخر من تلقى وحيا من رب العالمين العالم بكل شيء. هذه القناعة، الدينية الإيمانية، تتناقض فعلا مع “تفاصيل” التقرير الذي قاله ذلك العليم، ما يوحي بأنه، إما كان مشاركا في نقل الرسالة المزعومة من المخابرات الفرنسية إلى الكتيبة الفرنسية، أو أنه يناقض الثوابت الإيمانية، وما زال يتلقى وحيا.

    حتما لست مستعدا لقبول أي من الفرضيتين، الإيمانية أو “المخابراتية” لجهة اختراق ذلك “الأحدهم” للمخابرات الفرنسية، ومشاركته في نقل المعلومات المزعومة لكتيبة اليونيفل.

    ولكن، السؤال هو: هل يعتقد ذلك “الأحدهم” أن هناك شريحة من الناس في لبنان ما زالت بمستوى ذكاء القرود الخمسة، الذي كان المستوى العام للإدراك الجماعي للشعب اللبناني عموما في العام 1975، كي تصدق تفاصيله التي تثبت دقة سياقها ومهارة حياكتها أنها “ممتازة جدا … بحيث لا يمكن أن تكون حقيقية؟” سيناريو رائع، يصلح لفيلم هندي، مكسيكي … ألخ، ويمكن أن يحصل على جائزة، أو جوائز … غير أوسكارية، حتما. علما أن هذه الشريحة من الأفلام يقتصر جمهورها … على منتجها.

    لا أريد أن أسمع الجواب. فعلا أرفض سماع الجواب … فقط لأني أحترم الشعب اللبناني الذي أنتمي إليه بالولادة والقناعة، ولا أقبل أن تمتحن قناعتي هذه.

    ولكن، ما أنا مقتنع به هو أن هناك من لم ييأس بعد من محاولة صنع الغباء، غير مدرك أن سلالة القرود انقرضت في لبنان ولا يمكن لأي عقاب أن … يستنسخها.

    محمد سلام
    NOW Lebanon
    09.07.2010

    Leave a Reply