• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    ماكارثيّة الارتياب

    هل يمكن أن تريح أعداد المصطافين المتوقّعة أعصاب اللبنانيين، فيما ملامح الغد المكفهرّة ترتسم أمام عيونهم، وتؤشّر اليها نذر التهديد في تصريحات ما هبّ ودبّ من السياسيّين وأشباههم، ورشق المعلومين المجهولين للقوات الدولية في الجنوب بالحجار والتُّهم، والتمهيد لخنق الحريات بإعلان احتكار التمييز بين الوطنية والخيانة؟

    وهل يمكن أن تريحهم هذه الأعداد بينما تنسحب المواجهة الاقليمية الدولية، بكل أوجُهها، الى الأرض اللبنانية، الموعودة، عند البعض، باحتضان نهاية عهد الظلم على الأرض، وعند بعض آخر باستئناف ما جمد في 7 أيار وأريد منه أن يوصل الى صياغة جديدة للنظام اللبناني والى خريطة سياسية جديدة لتركيبته؟

    ما يشهده لبنان في الآونة الأخيرة، ليس غريباً، في السياق، عمّا يكابده اللبنانيون من صراع على الوطن، وفيه، منذ كان إعلانه دولة مستقلّة. لكن الجديد في الأمر، شعور البعض أن الأمور في نهاياتها وانه بلغ، في مخطّطه، لحظة القبض على الدولة، وإعادة صياغة النظام والتماهي مع الإقليم. وإلا، لم تصاعد كلام التخوين والتهديد، والمزاوجة بين الكلام المعسول عن القوات الدولية ورمي جنودها بالشكّ في أدوارهم، بعد غبار الهبة الأمنية الأميركية، وسؤال الـ11 مليار دولار، والغيرة المفاجئة على النفط البحري؟

    يجري كلّ ذلك على مرمى السّمع من قرار ظنّي قيل ان المحكمة الدولية الخاصّة بلبنان ستصدره قريباً، وبذريعة أن مضمونه سيتّهم أفراداً من”حزب الله” بالضلوع في عملية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لكأنّ التهمة ثابتة سلفاً، ولكأنّ الرد الوحيد، ليس أدلّة تنقضها، بل انقلاب على الجميع ينقض الوفاق الوطني والسلم الأهلي.

    والتمهيد بدأ بادعاء تسريبات من التحقيق مع ش. ق. المتّهم بالتعامل مع العدو الإسرائيلي، من موقعه في إحدى شركتي الخليوي لزعم تبرير إسقاط صدقية تحقيق المحكمة المستند الى تسجيلات الاتصالات الهاتفيّة.

    الخطير في ذلك، ليس فقط التشكيك في التحقيق الدولي، بل التمهيد لـ”ماكارثيّة” لبنانية يمهّد لها أصحاب المصلحة فيها بقولهم، بعد توقيف ش. ق. وقبل إعلان مضمون التحقيق الرسمي معه: “إن انكشاف عميل الاتصالات يدفعنا للتفكير بكثير من الحذر والجديّة لملاحقة كل ما نرتاب به في الثقافة والأمن والاتصالات والاعلام والتربية والاقتصاد…”. ثم استدركوا ما فاتهم من مناحي الحياة العامة، فأضافوا، في تصريح لاحق، المصارف.

    بمعنى آخر، لم يبقَ قطاع في الحياة العامّة بعيداً عن الشك في العمالة لإسرائيل، وصاحب القرار والحسم في ذلك هو طرف محدّد اعتاد استسهال إطلاق التهمة على كلّ مَن وما لا يقاسمه الرأي.

    تلك كانت حال السيناتور الأميركي جوزيف ماكارثي في خمسينات القرن الماضي. لم يكن أكثر وطنية من غيره من الأميركيين، ليميّز بين من يحرص على الولايات المتحدة، ومن يعمل لزرع الشيوعية فيها وتقويض بنيان دولتها. لكنه مارس سطوة خطيرة على الحياة العامة أدت الى ولادة لجنة “متابعة النشاطات ضد اميركا” التي مارست المطاردة والاتهام لكل من كان لديه شبهة تحرر او توجه يساري أو استقلالية في إبداء الرأي.

    قاد ماكارثي “حملة خوف” و”مطاردة سحرة” استمرت خمس سنوات (1950 – 1955) بسبب ما سمّاه “الخطر الشيوعي على أميركا”، لكنّ مفاعيل هذه الفترة المحدودة تخطّت زمنها، إذ دفعت عشرات المثقّفين والفنّانين والكتّاب الأميركيين الى الهجرة أو الانزواء بعيداً عن خطر الاعتقال.

    وسّع ماكارثي لافتة “الخطر الشيوعي” حتى شملت كل ساعٍ الى تقدّم المجتمع، ولم تقف حملته عند حد، فلم يترفّع عن اتّهام الجيش الأميركي نفسه، تحديداً عام 1954، بالتواطؤ مع الشيوعيين، ولم يتوانَ عن اتّهام الحكومة بالتساهل معهم، وتمادى في الاقتصاص من خصومه حتى الشخصيّين، باتّهامم بالشيوعيّة وإن كانوا من أشدّ رافضيها.

    هذه المرحلة لم تدم سوى سنوات ست، لكنّ آثارها استمرّت أكثر من ذلك، وسمّيت بـ”الماكارثية” أو “الترهيب الأحمر”، وظلّت الى اليوم وصمةَ عارٍ في التاريخ الأميركي.

    لم تكن الماكارثيّة بعيدة عن العالم العربي، فقد حلّت في جمهوريّاته وممالكه بأسماء مختلفة، منها تحرير فلسطين، والتفرّغ لمقارعة العدو الاسرائيلي، وأدّت الى مطاردة المعارضة في كلّ بلد وتصفيتها، تحت عنوان “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”.

    وحده لبنان نجا من النمط الماكارثي، ولو أنه اقترب منه إبّان الحرب، يوم رُفع في منطقة سيف القومية العربية وتحرير فلسطين، وفي الأخرى سيف الكيانية اللبنانية. يومها اتفق العرب على إيكال سوريا بالتدخل عسكرياً للجم امتداد النيران إلى بلدانهم.

    لافتة الارتياب المرفوعة اليوم فوق كل قطاعات الحياة العامة تمهّد لاستئناف “ماكارثيّة” لبنانية، ربط أصحابها إطلاقها بإذاعة القرار الظني للمحكمة الدولية، ليتخذوا منها سقفاً يتلطّون تحته لتغيير ما أرساه اتفاق الطائف، من دور للبنان وتحديد لنظامه. وما كان خطوة في “7 أيار” الشهير، قد يكون له ملحق تحت عنوان الارتياب، وما هو موضع شك من التحاق بطهران، يصبح واقعاً.

    راشد فايد
    جريدة النهار
    06.07.2010

    Leave a Reply