• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    الشباب اللبناني بين النزاع والرجاء، تأمّل في أحداث السنوات الخمس الأخيرة

    يعيش الشباب اللبنانيون في النزاع والرجاء معاً وبشكل دائم. فهم يحلمون دائماً بمستقبل أفضل في بلد يسوده السلام، لكن السلام العادل والشامل، وليس السلام المصطنع والموقت وغير العادل.

    وقد دفع النزاع مجموعات كبيرة منهم الى الهجرة الدائمة، ليس دائماً بهدف البحث عن الفرص الفضلى للعمل، ولكن أيضاً قرفاً من وضع يبدو من الصعب إصلاحه وتجاوز حالته المتدهورة باستمرار.

    في المقابل، يبقي الرجاء الكثيرين من الشباب في عملية نضال مستمر، متمسكين بهويتهم وتاريخهم وأرضهم ومعتقداتهم الدينية، ويصارعون من أجل البقاء، وغالباً ما يتصارعون، ويصارعون بعضهم البعض من أجل الاستمرار. أليس البقاء للأقوى؟ لذا يفتش كل منهم عن مصادر قوة له تحصنه من الذوبان والانحلال.

    مظاهر النزاع

    أبرز مظاهر النزاع، الحروب الدائمة وهي حالة واقعية في منطقة مأزومة بسبب حداثة تاريخها لناحية قيام دولة القانون والمؤسسات، ولناحية الصراع الذي تعيشه باستمرار خصوصاً منذ قيام دولة اسرائيل التي احتلت أرضاً وهجّرت شعباً، ولا يزال لبنان يرزح تحت هذا العبء بسبب الوجود الفلسطيني على أرضه.

    هذه الحروب تترك آثارها العميقة في المجتمع، تولد الكراهية وحب الانتقام، وتالياً رفض الآخر، وحتى في حال قبوله، فإن هذا القبول يكون مرحلياً، كما الهدنة، للبحث عن مصادر قوة للجولة التالية من الصراع. وتعلمون ان رفض الآخر لا يؤسس لأي سلام.

    لماذ الكلام عن الحروب؟

    1) لأن الشباب هم وقودها، فهم المقاتلون، وهم الضحايا، وان سميناهم شهداء ورفعنا صورهم وأقمنا لهم التذكارات.

    2) ولأن الشباب في الحرب يتركون جامعاتهم ومدارسهم للقتال ويجدون أنفسهم من دون مستقبل في زمن السلم، وتالياً فإن مستقبلهم يصير مهدداً.

    3) ولأن الشباب يلجأون الى المخدرات والمهدئات والمنشطات على أنواعها، ويتحولون الى مرضى الادمان، الذي يسيء الى كراماتهم وحياتهم.

    4) لأن الحروب تقضي على مصالحهم الاقتصادية وقد تدفع بهم الى الفساد عبر السرقة والاحتيال، أو الى الهجرة في أحسن الأحوال.

    5) ولأن الحروب تفكك العائلات وتبعدها، وتباعد بين الأقرباء والأصدقاء خصوصاً اذا كانوا من انتماءات مختلفة.

    هذه بعض من نتائج النزاع والحروب التي يعيشها اللبنانيون ويبدو بعض الشباب راغبين فيها. لماذا؟ لأن الرجاء يتراجع عندهم وباتوا يفكرون في أن زمن الحرب حقق لهم مكاسب وامتيازات لم تعد موجودة في زمن السلم، ولأن السيولة كانت أكثر توافراً، ولأن الكانتونات والمناطق المقفلة على ذاتها منعت التمدد من غير منطقة وطائفة، وقد قال لي مقاتل قديم قبل أيام “ما لم يأخذوه منا في الحرب، نقدمه لهم في زمن السلم”.

    ماذا عن صور الرجاء؟

    قد تكون نتائج النزاع متشابهة وصوره متقاربة وربما شاملة الجميع، لكن صور الرجاء مختلفة ومتباعدة وتتوزع على الطوائف والمذاهب.

    1- المسيحيون وفي طليعتهم الموارنة الكاثوليك رأوا في زيارة البابا يوحنا بولس الثاني عام 1997 علامة رجاء وبعدها السنيودس من اجل لبنان، وحالياً السينودس من أجل مسيحيي الشرق الأوسط، الذي بدأ الاعداد له. وهم يفرحون كلما أعلن لهم الفاتيكان قديساً جديداً.

    ويمنون النفس فيقنعون أنفسهم بأن المسيح زرعهم في الأرض التي ولد فيها وجال فيها، وهم مدعوون الى الشهادة في الأرض المقدسة، وان أرض لبنان مقدسة، ووجب عليهم المحافظة عليها وعلى تاريخهم الطويل والعريق.

    ويفرح معظمهم كلما تراجع النفوذ السوري وازداد الضغط الدولي على النظام في دمشق، لا لطبيعة النظام السوري بل لأنهم خائفون على مصيرهم وقد قاوموا الأتراك من قبل، وحاولوا اللعب مع الاسرائيلي لتحقيق مصالحهم، لكن ذكاءهم انقلب عليهم.

    2- اما المسلمون الشيعة وحلفاؤهم فرجاؤهم في المقاومة الاسلامية التي تمكنت من تحقيق انتصارات على اسرائيل، وهم يتّكلون على ايران ويفرحون كلما تمدد النفوذ الايراني، ويحاولون ترجمة انتصاراتهم والتمدد الفارسي في الشأن الداخلي. ورجاؤهم أيضاً في إيمانهم، بعددهم المتزايد، وفي السلاح الذي باتوا يملكونه بكميات كبيرة.

    3- ويتطلّع السنّة الى الدور السعودي والمصري، والى الرئيس سعد الحريري وقدرته على التكيّف مع المستجدات، لكن مظاهر الرجاء تراجعت عندهم في 2005، وخصوصاً بعد 7 أيار 2008، وهم يترقبون كما غيرهم من المجموعات اللبنانية المتراجعة النفوذ قيام الدولة العادلة التي تحميهم.

    ماذا عن السنوات الخمس الأخيرة؟

    لعل المقدمة والتفاصيل ترسم لنا صورة واضحة عن أوضاع شباب لبنان في الأعوام الخمسة الأخيرة.

    فقد انقسم شباب لبنان عام 2005 محورين، محور “14 آذار” المناوئ لسوريا والمنادي بالاستقلال، ومحور “8 آذار” المنادي أيضاً بالاستقلال وبعدم التدخل الأميركي مستقوياً بسوريا ومن ورائها ايران.

    ثم بدأت المصالح تحرق المراحل. وتدهورت العلاقات مع الولايات المتحدة والغرب لمصلحة سوريا. واللافت ان الشباب، أو لنقل معظمهم، الا قلة ثبتت في مواقفها وتحالفاتها أو اختارت ان تنسحب أو تنكفئ، اللافت ان الشباب، وافقوا على الاصطفافات التي قررها مسؤولوهم من دون أدنى مناقشة. ونزلوا الى الشارع يحدوهم الأمل والرجاء بصنع التغيير. فمعظم قوى 14 آذار أحبط لعودة النفوذ السوري ولو من دون العسكر، بعدما ذهب الى دمشق العماد ميشال عون والنائب وليد جنبلاط وأخيراً الرئيس سعد الحريري.

    وقوى 8 آذار وخصوصاً “حزب الله”، لا تبلغ حد السعادة، اذ ان كثيرين في الداخل لا يعترفون للحزب بانتصاراته، بل على العكس لا يوفرون فرصة للتهجم عليه، ومع هذا الداخل دول الخارج المتربصة بالحزب تطلب رأسه، ويسكنه قلق من التمدد التركي في ظل حصار ايران، ويحاول مع السوري التقاط الأنفاس.

    كل هؤلاء ينظرون بشك الى مستقبلهم، خصوصاً مع تنامي الحديث عن حرب اسرائيلية، وفي ظلّ عدم القدرة على ضبط الوضع الفلسطيني الذي هدد لفترات قيام الدولة اللبنانية، وكاد يهدد سلطتها وهيبتها في مخيم نهر البارد قبل أعوام قليلة.

    هل من أمل؟

    نعم ثمة آمال كبيرة لدى الشباب، فالفساد الذي يضرب لبنان موجود في انحاء كثيرة في العالم، في افريقيا كلها تقريباً، وفي أميركا اللاتينية، وفي الدول العربية، وقد بدأ ينخر في ادارات أوروبية كثيرة، رغم ان معظمها لم يمر بحروب طويلة كما حصل في لبنان.

    والحالة الأمنية غير المستتبة موجودة في كثير من دول العالم. والوضع الاقتصادي ضرب العالم بعد الأزمة المالية العالمية…

    الشباب اللبنانيون الصامدون هنا، يحدوهم أمل بالغد، ولكل واحد أسبابه ودوافعه، لكنهم، وأنا واحد منهم، مؤمنون بأنهم سيبنون بلداً غير مثالي بالتأكيد، ولكن مع بعض الاصلاح، وهم أكيدون انهم لن يجدوا أفضل من فرص العيش في لبنان، وهم يتكاذبون أحياناً بموضوع لبنان رسالة العيش المشترك، لكنهم غالباً ما يكتشفون هذه القيمة الانسانية الكبيرة لأنهم باتوا يدركون الآخر ويفهمونه، ولأنهم يلمون باللغة العربية القيمة الاضافية في عالم اليوم.

    في السنوات الخمس الأخيرة عاش شباب لبنان نجاحات واحباطات. كانوا الأساس في انتفاضة الاستقلال في 2005 وقد فرضوا على السياسيين “مخيم الحرية” انذاك، وفي الصف الآخر قامت تظاهرات اعتمدت على شباب في حركة “الوفاء لسوريا”.

    هل يعني ذلك ان الشباب بلا قرار أو هوية وانهم يتبعون بعمى كلّي. كلا بالتأكيد، فهؤلاء الشباب هم طلاب جامعيون بمعظمهم ومثقفون ووطنيون قبل أي شيء آخر وهم أبناء عائلات وطنية وملتزمة، وهم ينقسمون كما في كل العالم، وقد ينجرفون أحياناً كثيرة في خيارات خاطئة كما فعل أهلهم من قبلهم، لكنهم بالتأكيد نواة جيدة يمكن الاعتماد عليها، خصوصاً اذا ما تدرّبوا على قبول الآخر والاقرار بحقه في الاختلاف وحوّلوا طاقاتهم المتعددة والمتنوعة للنهوض بمجتمعهم. وهم يزدادون نضجاً يوماً بعد يوم وقد لقنتهم السنوات الأخيرة الدروس والعبر الوافرة.

    غسان حجار
    جريدة النهار
    17.06.2010

    Leave a Reply