• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    جمهورية سوّاقي الجحيم؟

    لم يكن هناك ما يستحق الجدال بين السادة الوزراء حول إقتراح وزير الداخلية زياد بارود رفع قيمة الغرامات على مخالفات السير بنسبة خمسة أضعاف، وهو ما أدى في النهاية الى الاتفاق على رفعها بنسبة ضعفين إلى ثلاثة.

    إذا كان الهدف من زيادة الغرامات هو الحد من حوادث السير، فيمكن القول منذ الآن: “يا حصرماً رأيته على الطرقات”، ذلك أن الذي يسبب هذه الحوادث، التي ضاعفت عدد الضحايا أربع مرات خلال عامين، هو أولاً غياب هيبة الدولة وسقوط حرمة القانون، وثانياً تراخي السلطات المختصة، وثالثاً عدم وجود دوريات كافية للحد من السرعة والتهوّر والجنون أحياناً، ورابعاً حال الطرق وما فيها وعليها من مطبات مفاجئة وحفر تنبت كالفطر بين ليلة وضحاها، وخامساً غياب التربية المنزلية بنسبة مقلقة.

    لكل هذه الاسباب هناك دائماً مجموعة من “سوّاقي الجحيم” يخرجون بسياراتهم السريعة أو حتى “المحرتقة” بهدف التسابق حتى وسط الازدحام و”الانتحار” على مرأى من الجموع وارتكاب جرائم الصدم، أو بالأحرى القتل، ولا من دولة أو قانون أو هيبة أو رادع.

    ***

    يكاد الذهول، لا بل الهول، أن يصيب الكثيرين من الأخيار في هذا البلد الفالت والمتعوس، عندما يتذكرون حادث الصدم المميت الذي حصل قبل أيام عند نهر الكلب، حيث تعاقبت ثماني سيارات مسرعة على دهس الضحية التي سقطت بعدما صدمتها سيارة مسرعة، ولم تلبث ان تتحول اشلاء مسحوقة سحقاً أو مطحونة طحناً على قارعة الطريق، والفاجعة أنه حتى هذه الساعة لم تتمكن الدولة من معرفة واحدة من السيارات الجانية التي تعاقبت على القتل المروّع، ولكأن تلك المرأة التاعسة مجرد أرنب في غابة إنقضت عليه الضباع المسرعة والكواسر، فماتت شر ميتة ولم يدر احد أو يتوقف لوهلة !

    ماذا تظن يا معالي الوزير الصديق زياد بارود أن في وسع تحرير المخالفات ومضاعفة الغرامات ان تفعل لوقف “سوّاقي الجحيم”؟ ثم هل تصدّق فعلاً أن تحرير هذه المخالفات سينفّذ بأمانة وأن هذه الغرامات ستدفع فعلاً نقداً وعداً؟

    وهل ترى أن آليات التنفيذ وأجهزتها عندنا مثل الساعات السويسرية تعمل بدقة وشفافية وتجرّد، وأن المخالفين سيقفون غداً بالقطار الآحادي أمام صناديق الجباية وفي دوائر الميكانيك والمعاينات (من غير شر)، ليدفعوا ما عليهم ثم يتلون فعل الندامة وأتوب الى ربي؟

    ***

    ولا بد من أن تكون على دراية تامة بما يجري مثلاً على مستديرة جعيتا تحديداً، عندما تتحوّل الطريق الرئيسية موقفاً للسيارات ومركزاً لاستقبال الزبائن في وسط الطريق، والسيارات حبل جرار في الانتظار، ثم يبدأ “التشفيط” صعوداً من غضب الازدحام والعرقلة وحرق أعصاب الناس، وليس هناك من يذهب لينظّم هذه الفوضى المرعبة، وإذا ذهب غالباً ما يرجع راضياً مرضياً وتبقى الأمور على حالها ومعاليك أدرى بحكاية الخلّ.

    ثم لا بد من أنك تتذكر تحديداً “ساحة الحرب والدمار” التي ذبحت الناس انتظاراً على المستديرة إياها قبل عام ونيّف، عندما افلتت وحوش الشاحنات وحدث ذلك الاصطدام المروّع الذي أوقف السير نصف نهار، ثم عاد كل شيء الى ما هو عليه الآن وفي كل أوان، من غياب القانون وانهيار هيبة السلطة وانعدام المسؤولية. ولعل الدليل الأبرز على هذا أن الطريق الى المرامل والكسارات في جبال كسروان صارت كما يعرف كل الناس غابة فالتة من كل عقال تسرح فيها الشاحنات مثل الكواسر المجنونة.

    ويمكنك أن تسأل أقرباءك ومحبيك هناك كيف تصعد الشاحنات تلك الطريق صباحاً متسابقة وبسرعة جنونية، فتكاد أن تقذف الناس في الأودية، ثم كيف تعود نزولاً وهي محمّلة ما لا يقل عن 50 طناً خلافاً لما تحدده القوانين، وتهبط بسرعات مخيفة، فلا تكتفي بتدمير الطرقات بل غالباً ما تتسبب بوقوع الحوادث الفاجعة، وليس هناك من يطبّق عليها القانون، الى درجة أن بعض السائقين “يشترون” السماح لأنفسهم بالتحرك نزولاً قبل التاسعة، وإن صادفوا إزدحاماً يشترون من يرشدهم الى الزواريب داخل الأحياء ودائماً عبر الجوال و”الموال”، وما أدراك ما الموال؟

    ما يجري على طريق كسروان يجري أينما كان من طرقات هذا البلد المزرعة، ولا من يقدر على ضبط هذا الفلتان. فقبل المراهنة على مضاعفة قيمة المخالفات فلنتأكد اذا كانت تدفع كلها. وكيف مثلاً اذا وصلت الامور بالبعض الى وضع اللوحة أو النمرة الواحدة على أربع أو خمس شاحنات وسيارات ولا من يدقق أو يدري؟

    نعرف أيها الوزير الصديق مدى حماستك ورغبتك في علاج هذه الفوضى العارمة، لكن صدّقنا أن الأمر يحتاج الى دولة لا الى تحرير مخالفة قد تتم المقايضة عليها وغالباً لا تدفع.

    راجح خوري
    جريدة النهار
    16.06.2010

    Leave a Reply