• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    أنا آنا بوليتكوفسكايا أو الموت لأجل الكلمة الشجاعة

    ذات يوم أصبح تاريخ الأنسانية يروى على الخشبة وأصبحت المسرحية رسالة مكشوفة يقرأها المشاهد بسطورها المضرجة بالدماء، فيتذكر جروحه ويتحسس نزفها.

    هكذا وكاتي غراندي تعيد بصوتها، بإلقائها، بحضورها المفصّل في قالب آنا بوليتكوفسكايا إحياء لذكرى هذه المرأة الصحافية الشجاعة التي صرخت قبيل مقتلها: “لن أصمت. لا أستطيع. أبدا” وتدخل شيئا فشيئا في حميمياتها، حتى أضحت “هي”.

    لفترة عرض، تتكلّم بلسانها، تتكنى بها، رسولة في إيصال صوتها إلى ضمائرنا، إلى مسارحنا. كنا في مسرح بيروت في هذه الليلة من ربيع بيروت الذي شاءته مؤسسة سمير قصير إستذكارا ثقافياً، من 3 إلى 9 حزيران، لخمس سنوات مضت على اغتيال الصحافي والمفكر سمير قصير، نربط بعضها ببعض مصائر الشجعان الذين يقولون كلمتهم عاليا ولا يهابون الموت.

    النص الذي كتبه جان – جاك غرونو وتولت كاتي غراندي إخراجه وإداءه للمرة الأولى عام 2008 في مهرجان أفينيون، وجد على مسرح بيروت مكانه والشاهدين لوقعه.

    كاتي غراندي الممثلة الفرنسية، إحتوت نص جان ـ جاك غرونو المؤلّف والشريك في مؤسسة “لومينوتور” الذي رفع كفن الغياب عن الصحافية الروسية آنا بوليتكوفسكايا في صحيفة “نوفايا غازيتا” التي راحت تتقصى سلوك الجيش الشيشاني وتكتب نقدها اللاذع لنظام قديروف والسلطة في عهد بوتين. النص لصوت امرأة واحدة. وفي كلمة لها عن هذا الدور الذي سكنها حتى الأزدواج بآنا بوليتكوفسكايا تقول كاتي غراندي:

    “لقد حاولت الاقتراب قدر الامكان من هذه الشخصية والاصغاء إليها. إنتظرت حتى أذنت لي بالكلام بلسانها. كنت وأنا أستعير منها كيانها أتعلّم السيطرة على الخوف وليس على الشجاعة.

    لعل بين تلك الواقفة أمامنا أولا بمعطف الأستجوابات الرمادي، المكسوة جسدا وروحا بامرأة أخرى، وتلك العائدة بذكراها، بمرسالها الطويل إلى صديقها “أنطون”، بصرختها المدوية: “لا تطلقوا النار أنا آنا بوليتكوفسكايا، جئت لأتحدث معكم، لا تطلقوا النار…” لعله الدم الأنثوي الناضح بينهما من شريان واحد.

    في المسرح هذا المكان الطقوسي الذي لا يتم فن درامي حقيقي سوى على خشبته، ينعتق الممثل عن ذاته ليغدو الآخر، مكسوا بقدره، مسكونا بهويته. هذه المسارّة بصوت واحد، دخل فيها صوت سمير قصير، وكل صحافي من لبنان مات لأجل الكلمة الشجاعة، الحرة، في ذلك الزمن الذي كانت كلمة الحق الواشية على الذل مرصودة للقتل.

    آنا بوليتكوفسكايا إستمرت على رغم التهديدات لها ولأولادها، تشي على الجرائم التي كانت تقترف يوميا. وفي اغتيالها عام 2006 تكون الصحافية الحادية والعشرين التي التحقت بلائحة طويلة من المراسلين الذين ماتوا فداء لكلمتهم الشجاعة في عهد بوتين.

    من الاستجوابات والتعذيب تسرّح آنا وتعود إلى منزلها لتدوّن ما عاشته. لم تنسَ نفدة من مقابلتها مع القومندان شيفنكو: “لماذا تطول الحرب… هل تحبون الحروب؟”

    “ماذا يفعل جيشنا في أقاصي القوقاز على الأرض الشيشانية، هل هذه جريمة أم فضيلة؟”.

    “أنا هنا لأتكلّم عن الحرب.كنت هناك. رأيت. تكلمت مع السكان. رأيت أجساما مفخّمة. أنا متعبة أود أن أنام”.

    كاتي غراندي… كأننا ننسى في هذا البوح الرهيب أنها تمثل دورا. الكلمات جارحة تصدر عن إمرأة ملتزمة لا تخشى أن تقول، ما أريده هو الحقيقة، لا لن أغيّر العالم، أقوم فقط بمهنتي.تختلط المرأتان في واحدة.

    نسمع صوت عزف رتيب على الشيللو، تتطلّع “آنا” إلى فوق وتقول: “هذه جارتي تعزف هذا المقطع من باخ وتردده”، ثم تكمل دعواها “أنا لست عدوة وطني روسيا”.

    الصحافية كتبت لأنطون صديقها رسالة طويلة تقول له فيها وكأنها تودعه قبل الرحيل:

    “لن نعلم أبدا ساعة موتنا. لمسة القاتل على جلدنا لا نعرفها. هذه الثقوب التي تخترق لحمنا، تحرق حلقنا لانعرفها. حتى القاتل الذي يطلق علينا لا يعرف هو أيضا.

    قيل أن الذي يقتل لا روح له ولا ضمير. هذا خطأ. أعرف أن في الطلقة فعل حب في اتجاه معاكس.هذا الأختراق بالرصاص يعبر مناطق حسوية في الجسد، يقوم بسفر ممتع فتلتقي النظرات. نظرات أبدية بين الذي يطلق والذي يتلقى. هذا الفعل الأجرامي يكوّن رابطا بينهما إلى الأبد”.

    مي منسى
    جريدة النهار
    04.06.2010

    Leave a Reply