• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    حرية وحقوق غير المدخنين

    لم يعد السؤال الذي يطرح بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة التدخين حول مدى ضرر التدخين الذي اصبح مسلما به، بل اصبح حول كيفية تطبيق الحق في منعه، وكيفية تحديد اماكن المنع.

    لقد أصبح السؤال حول ما اذا كان التدخين لا يزال يعتبر حقا من حقوق الإنسان وإذا كان هذا الإنسان لا يزال حرافي أن يدخن!

    فإذا كان التدخين حقا فعلا، هل من حق من يدخن ان يلوث بيئة واجواء من لا يدخن. اليس من حق من لا يدخن بالمقابل ان لا يتنشق دخان المدخن؟ الا تقف حرية المدخن عند حدود عدم انتهاك حرية غير المدخنين؟

    يرتبط مفهوم الحق كما مفهوم الحرية ايضا بمسألة المعرفة، معرفة حدود الحقوق ومدى الحرية. في الاصل الانسان كائن غير مدخن. وقد عاش زمنا طويلا قبل ان يكتشف النار. وحتى الامس القريب لم يكن يعرف ان للتدخين السلبي، اي تنشق غير المدخن لدخان المدخن، الاضرار نفسها على صحة غير المدخن كما عند المدخن، لا سيما في الأماكن المغلقة والعامة. الآن بعد ان علم العالم بهذا الضرر، كان لا بد من تغيير وتوسيع مفهوم الحق ووضع قيود وحدود جديدة، تحمي الحريات الاساسية للكائن الانساني في التمتع بهواء نظيف.

    عند هذه الحدود، كان لا بد من قوانين تحمي حرية غير المدخنين وصحتهم.

    ليس هناك من حاجة اليوم الى احصاء عدد المدخنين وقياسها بعدد غير المدخنين لمعرفة اتجاهات الاكثرية قبل البدء بالتشريع ووضع الضوابط. فالتشريع يقترب من العدالة بقدر اقترابه من الطبيعة وليس من اية مجموعة بشرية، مهما كبر حجمها او عنفها، او مهما كبرت مصالحها. فالإنسان كائن غير مدخن في الاصل، ويفترض اعطاء الاولوية في التشريع وفي تقسيم الاماكن لغير المدخنين. فمنع التدخين هو القاعدة، والسماح به هو الاستثناء. وترجمة ذلك في القانون تعني، منع التدخين في الاماكن العامة بالمطلق، والسماح به في اماكن خاصة جدا، كبعض الملاهي او المقاهي. ليس هناك من تعريف للإنسان الحر، الذي ربما لم ينوجد يوما بعد. لذلك يمكن اللجوء الى التعريف السلبي للحرية. فالإنسان الحر هو الإنسان غير المجبر. هو الإنسان القادر على الاختيار والتغيير. إلا أن حرية الاختيار تقف عن حدود المسؤولية عن هذا الخيار. فالإنسان الحر هو الإنسان المسؤول، تماما كما على الإنسان المسؤول أن يكون حرا.

    ليس هناك من انسان حر فعلا. الحرية هي فعل تحرر دائم. هي محاولات للتحرر مما هو مفروض علينا بفعل عوامل متعددة. فإذا كان التحرر يقوم على رفض ما هو مفروض، فكيف يمكن تفسير فرض مدخن دخانه على غير المدخن؟

    ليس من انسان حر اصلا. الانسان كائن مشروط، مقيد، مرتبط بجينات، بأهل، باسم، ببيئة محددة… والبيئة نفسها تحدد كينونة الكائن. يعيش كل كائن في شبكة من العلاقات مع باقي الكائنات ويرتبط معها في وحدة الحياة والمصير، وهو لا يستطيع بالتالي ادعاء حرية التحرك ومخالفة قوانين دورة الحياة التي يعيش فيها.

    قد يقال ان في التدخين لذة، وإن من حق الإنسان تحقيق رغباته وملذاته. إلا أن أي لذة لا يمكن ان تشبع نفسها إلا في الحياة ومن اجلها ومن اجل الاستمتاع بها وليس من اجل الموت. وحدود تحقيق اي لذة بالتالي هي عدم تهديد شروط الحياة. كما ان تحقيق لذة التدخين (المشكوك في تصنيفها ضمن الملذات بعد ان تتحول الى إدمان) تأتي دائما على حساب ملذات أخرى كثيرة، يعطلها التدخين بشكل او بآخر. فالتدخين يشوش على ملذات الاستنشاق والتنفس والتذوق (الطعام اللذيذ والروائح الجميلة) والنوم والاستمتاع بالصحة والجنس واللهو والمشي والتركيز… الخ والتوقف عن التدخين يعيد الاعتبار الى تلك الملذات.

    وإذا كان مفيدا جدا ان تستعين حملات مكافحة التدخين باقتصاديين لتبيان الخسائر الاقتصادية والصحية الناجمة عن التدخين، لا نعلم لماذا لم تتم الاستعانة بعلماء النفس للمساعدة على إنتاج إعلانات مضادة لتلك التي يروجها تجار ومنتجو التبغ الذين يستغلون مآسي ونقاط ضعف المدخنين. كما نشعر بالافتقاد الى مفكرين يعيدون إنتاج مفاهيم مثل الحقوق والحريات والسعادة… تأخذ بعين الاعتبار كيفية احترام قوانين الطبيعة و«المجتمع الحيوي» وليس المجتمع المدني فقط.

    حبيب معلوف
    جريدة السفير
    01.06.2010

    Leave a Reply