• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    الديموقراطية ليست بخير

    واحدة من اسوأ ذكريات التجربة اليسارية، وربما اكثرها طرافة، تلك التي كان يرددها اليساريون عن ان الغرب اخترع فكرة الانتخابات وقام بتصديرها الى العالم الثالث فقط كي يتسلل الى دوله ومجتمعاته ويساهم في تفكيكها الى عناصرها الاولى والسيطرة عليها بسهولة.. مع ان الغرب لا يحمل براءة ذلك الاختراع السحري، لكنه طوره واستخدمه في انتاج تجارب ديموقراطية باهرة، لا يمكن استيرادها او استخدامها بسهولة، من دون استيفاء شروط وقواعد لا حصر لها في الكتب والمراجع التاريخية.

    لكن ذلك الاتهام اليساري الذي يرجع الى حقبة بدايات الحرب الباردة لا يزال يصح في الحالة اللبنانية، وان كان يصعب العثور على غرب او حتى شرق يحاول فعلا تفكيك المجتمع اللبناني واعادته الى مراحل تشكيله الاولى في عهد المتصرفية العثمانية، التي انتهت اليها الانتخابات البلدية السيئة الذكر.. مع انه يمكن الاشتباه بأن ثمة عواصم غربية نصحت الدولة اللبنانية بعدم تأجيل هذا الاستحقاق او الغائه، على ما كانت تطمح جميع القوى السياسية من دون استثناء، وكانت هذه النصيحة مدفوعة بالحرص على التجربة والممارسة والتقليد اكثر من السعي الى اختراق المجتمع اللبناني المنتهك اصلا من كل الجهات وعلى جميع المستويات.

    لم يكن احد في الجمهورية كلها يريد الخضوع لمثل هذا الاختبار البلدي. ذهب الجميع اليه مكرهين، مترددين، خائفين، تماما مثلما حصل في جميع الانتخابات البلدية والنيابية والنقابية التي شهدها البلد في تاريخه. صندوق الاقتراع لم يكن مرغوبا فيه في اي يوم من الايام. هو يمس التقاليد والاعراف والشرائع.. التي جرت محاولات عديدة لتطويرها او على الاقل لتجاوزها لكن من دون جدوى، ومن دون امل بتجديد المحاولة في المستقبل اللبناني المنظور.

    الانتخابات البلدية التي طويت بالامس كانت خطوة اضافية الى الوراء، تركت ندوبا ظاهرة في الجسد اللبناني كله. لم تسلم طائفة او مذهب او حزب او تيار او حتى عائلة من الاصابة. ولعل اغرب ما كان في تلك المعركة، انه لم يخرج فائز واحد من صناديق الاقتراع التي فتحت عنوة، مخالفة اجماعا لبنانيا نادرا على ضرورة ابقائها مقفلة على تلك الشياطين التي تتفاوت في الانتماء الى مرحلة المتصرفية او الانتداب او الجمهورية.. او الى العصر الاسلامي الاول، لكنها لا تزال حاضرة في كل بيت وفي كل قرية ومدينة.

    الانتخابات البلدية، كما اي انتخابات خاضها اللبنانيون على امتداد تاريخهم القريب والبعيد، عمقت الشروخ بينهم. لم تخدم اي مظهر من مظاهر او مزاعم الوحدة الاجتماعية او السياسية. السبب لا يكمن في القانون برغم انه ليس نموذجيا، ولعله اقل سوءا من قوانين اخرى يخضع لها الناخب اللبناني، ولا يكمن في مؤامرة خارجية يتعرض لها البلد، وتفرض عليه الخضوع لمثل هذه الاختبارات المتلاحقة والبائسة. ثمة عيب في التكوين، لا يمكن ان تزيله صناديق اقتراع مستوردة، من دون كتيب تعليمات مختصر ومفيد.. ويبرر الادعاء بان الديموقراطية اللبنانية بخير.

    ساطع نور الدين
    جريدة السفير
    31.05.2010

    Leave a Reply