• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    “ورقة” سيادية تؤسس لـ”جمهورية الحياة”

    Our good friend Omar Harkous writes an excellent article and gives a review of the last 3 years in Lebanon since March 14th, 2005.

    يوم استشهاد الرئيس رفيق الحريري لم يعتقد الشبان الذين قاموا بالتظاهرات الأولى، أن التحركات السلمية والمعدودة بالمئات والمتنقلة بين شوارع بيروت ستتحوّل بعد شهر إلى الرقم المليوني كما في 14 آذار.

    يوم 14 آذار لم يكن للتعداد فقط ولم يكن للحسابات الصغيرة أو الكبيرة على مستوى الوطن. تحول هذا الحشد الخارج عن المألوف إلى نبْض للمنطق امتد على كامل المنطقة العربية، ورسم معادلة جديدة لها شكل يختلف كلياً عن طرق التعاطي السابقة مع الملف اللبناني. فما كان في أعوام الحرب الأهلية من التحاق للبنانيين في أحوال الاختلاف العربي والدولي، صار بعد 14 آذار انقساما على عكس الشكل الأول.

    حضرت الأزمة اللبنانية على ما عداها، وصار الخلاف على ما يحدث في لبنان، وهو ما سمح للقوى المنضوية تحت الاسم التاريخي أي 14 آذار أن تتحول إلى واضعة لمنطق جديد تبنى على أساسه العلاقات بين الدول العربية.

    14 آذار 2008 هو تطوير للسنوات السابقة ويختلف عن غيره بالكثير، فأول ثمراته هي ورقة وضعت للنقاش، ولقاء يعقد من أجلها ومن أجل حماية لبنان ودستوره. ورقة ستضع شكل الدولة اللبنانية فوق كل اعتبارات التدجين والتفرقة والدويلات داخل الدولة. يختلف المرء مع العديد من الأفكار التي تطرحها الوثائق عادة، وتُفرّغ من قيمتها مع مرور الوقت ولكن ما يحدث الآن في لقاء قوى 14 آذار مع المجتمع المدني في “البيال” هو إقامة صلة مختلفة من العلاقات يفسح المجال بعد ثلاثة أعوام من التحالف في وضع أسس تبني الدولة العصرية والحديثة.

    هذا العام وللمفارقة تقف فكرة 14 آذار أمام مفترق أساسي هو كيفية التأسيس وبناء الدولة مقابل الانجرار إلى منطق الشارع والسلاح الذي يحاول حلفاء سوريا القيام به. فمنطق الناس الذين تلاقوا قبل ثلاثة أعوام في ساحة الشهداء كان لبناء الوطن، وحمايته ووضع النظام السوري أمام الحائط المسدود لإخراج جيشه والمعلن من أجهزة مخابراته. فيما اليوم يستمر حلفاء سوريا والأجهزة المخفية من عسسها، في محاولة تدمير الدولة بمنطق تأخير انتخاب رئيس للجمهورية، ووضع العصي في طريق حفظ منجزات ثورة الأرز.

    في 14 آذار 2007 كان الشهيد وليد عيدو يسكن ساحة الشهداء مع أنطوان غانم، فيما هذا العام ذهبت روحه ووقفت مع الناس كأنه في كل عام يطل من جديد. كانت الساحة كبيرة، فصارت تصغر أمام احتلالها من “جهاز الأمن المضاد” صاحب الأيدي “البيض” في إغلاق الوطن والقضاء على اقتصاده.

    14 آذار حلم الشباب بوطن يختلف كلياً عن صراعات الطوائف والوقوع في أفخاخ آل الأسد وأتباعهم، ذهبوا في هجراتهم البعيدة، وظل عدو اللبنانيين يحاول من دمشق تدمير الحلم.

    في 14 آذار 2005 كان باسل فليحان في المستشفى، وسمير قصير بين الناس يرسم قصيدة الانتفاضة، وجورج حاوي يطالب بإسقاط ديكتاتور قصر “الموز” في بعبدا، وجبران تويني يعلن قسم الاستقلال كأنه يكمل النشيد اللبناني، وبيار الجميّل ينتصر بابتسامته.

    14 آذار 2008 خسرنا الكثير ممن نحبهم، فيما ربحنا وطناً بقوة الناس وإيمانهم. كلهم صانعو الأيام التاريخية ينتظرون اليوم أن ينتج لقاء البيال ورقة تمنح للحلم صفة مرسومة كخرائط شوارع بيروت، كوجوه الناس الذين يأتون كل عام إلى الساحة ليقولوا إننا ما زلنا الحلم.

    في أحوال العيش التي يحياها اللبنانيون هذه المرحلة السوداء وكل عام بعد يوم 14 شباط 2005، شروط يفرضها المكان لا يحسدون عليها بكل انتماءاتهم وأشكال سكنهم وحياتهم. فالأزمة السياسية الموصولة منذ نهاية العام 2004 والتي لم تتوقف لا بالاغتيالات السياسية ولا بالحروب المتنوعة من حرب تموز 2006 إلى حرب مخيم “نهر البارد”، والتي حاولت القضاء على آمال الناس كما قضت على أحبتهم وقلّبت أحوال البلد من دولة قافزة في نمو اقتصادي كبير إلى مكان يبحث ناسه عن مخارج تسمح لهم باتقاء الأحوال المقبلة. الصورة الواقعية لدى اللبنانيين حول مستقبلهم هي كغيوم سوداء تحمل الكثير من الوعود بإطالة عمر الأزمة وتشعبها، وهبوط مستوى معيشتهم. كأنه لم يكفهم هذا العدد المرتفع من الشهداء ثمناً لوطن يريدونه سرمدهم الأخير.

    الناس القادرون على رؤية صورة واضحة للحالة اللبنانية من دون تعمية، يعتبرون ان ما يحصل في لبنان خلال هذه المرحلة أكبر من قدرتهم على الاستمرار. الكثيرون رفضوا قبل عامين من الآن ترحيل أولادهم الشبان الخريجين من جامعات وطنهم، يحاولون اليوم البحث عن أمكنة أوسع عيشاً وأكثر أماناً، يرحل الابن الأول عادة حيث يعيش على كفاف ويحاول الحصول مع الوقت على عمل لشقيق أو شقيقة في الأمكنة التي صارت كأنها تشبه بيروت لكثرة اللبنانيين الذين يعيشون فيها، آملين الحصول على بعض العيش الرغيد بعيداً من صور الخوف التي يمكن أن تتوالى في السنوات المقبلة. الناس قبل عامين من الآن كانوا يخافون من ان يقع عليهم اللوم ويتهمون بالخوف على أولادهم من الموت أو الرعب الذي يمكن عيشه بهكذا ظروف، لكنهم هذه الأيام لم ينسوا مذاق الحرب التي يسمعون طبولها تقرع كل يوم والتي تقطع أنفاسهم، ويرون أيضاً منع انتخاب رئيس للجمهورية وتأثيرات ذلك في حياتهم وأحلامهم.

    بعض الذاهبين إلى الخارج يتمنون أن يبقوا في بيروت، ويحلمون أن يكونوا بين الواقفين في ساحة الشهداء، ولكن الأحلام ثمنها مرتفع جداً.

    في ذكرى 14 شباط

    منذ عدة أيام وقبل بدء جلسة حديث رئيس المجلس النيابي نبيه بري التلفزيونية اشتعلت مدينة بيروت وضاحيتها والجنوب وجزء من بلدات البقاع بالمفرقعات وتلاها مباشرة إطلاق الرصاص من رشاشات “الكلاشينكوف” والـ”أم 16″ الأوتوماتيكية وصولاً إلى رشاشات “البي كي أم” المتوسطة، لتليها حفلة قذائف “أر بي جي”، أنهت ليالي السمر اللبناني وحفلات الزجل حول الأمان والليالي الملاح.

    صورة أقرب ما تكون إلى أيام الحرب الأهلية السيئة الذكر، حيث كان لفرق الفوتبول وللخطابات الرنانة رصاصها الخطاط وقذائفها المدفعية. صورة لا تشبه أبداً يوم النزول الى الشارع للانتفاض في مواجهة أسوأ ديكتاتور في النظام السوري.

    أتباع بشار الأسد بأسلحتهم التي أفرغوها فوق أجواء بيروت، استطاعوا أن يقنعوا الآلاف بالرحيل من لبنان، والعائلات التي كانت تقنع أولادها سابقاً أن الرصاص الذي يسمعونه هو حفلات انتصارات المونديال وأعياد ميلاد وحفلات زواج وبدء مواسم الشتاء والربيع، أصيبت قبل أطفالها بحالة رعب أدت في العديد من الأماكن إلى فقدان زمام الأمور والانهيار بكاءً في العديد من المحطات بين قذيفتين ورشق رصاص. كان واضحاً لمن عاشوا الحرب أن الأصوات التي سمعوها تشبه الحروب المدمّرة من أعوام منتصف السبعينات وصولاً إلى أوائل التسعينات. وكانت صدمة لمن لم يعوا هذه المرحلة ولم يعرفوا من سوادها إلا أخباراً كان يحدثهم بها أصدقاؤهم. ليلة إطلاق الرصاص والقذائف أرخت بظلالها على ناس بيروت والمناطق، ورسمت لهم حدوداً واضحة بين السلم الأهلي الذي عاشوه ويفقدون أجزاءه يومياً في هذه المرحلة، وبين سلم لا يملكون فيه إلا الخوف وانتظار العديد من اللحظات التي تسمح لهم بالخروج إلى أمكنة يدرك المرء فيها أن نوم أول الليل ليس فيه بالضرورة تماثل مع آخره. ذهب الحلم مع الرصاص الذي صار في عدد إطلاقه عدد الناس المشاركين في انتفاضة 14 آذار.

    انكشاف البلد وواقع الناس المتخذ خطوات تراجعية لا ينبئ مواطني لبنان بتحسن الأمور. فالحالة التي أنشأها الاغتيال السياسي منذ العام 2004 والعبوات المتفجرة التي وزّعت عشوائياً وقتلت العديد من المواطنين، إضافة إلى الحروب العسكرية من حرب تموز إلى حرب “نهر البارد”، هذه الاعتداءات على حياة اللبنانيين والتي ساهمت بتدمير الثقة التي آلفها الناس مع هذا المكان بنت تغيرات عديدة مع المفاهيم التي تم عيشها خلال السنوات التي مرّت على هدوء.

    مشاكل الأحياء والتي تنقلت في بيروت بين رأس النبع والنويري والبسطة وبرج أبي حيدر وغيرها، خلال عودة المدنيين من تجمع 14 شباط في ساحة الشهداء وما تلاها من ليالي رعب متنقلة، ساهمت فعلياً في إطلاق مرحلة جديدة من العلاقات بين اللبنانيين تختلف عن المراحل السابقة، فالعديد من الأحياء بدأ سكانها بالبحث عن منازل بعيداً من أمكنة الاشكالات، فالوضع لا يحتمل هذا النوع من التغيرات وخصوصاً أن السلاح الفردي صار رمزاً للمرحلة الجديدة. فيما تحولت المؤسسة العسكرية والقوى الأمنية التي تتحمل مصاعب كبيرة في التعاطي مع هذا النوع من الصراعات بين أبناء الوطن، إلى محاول لمنع الاشكالات من خلال التنسيق الأمني، وهو ما لم يكن قبل إشكالات وحوادث مار مخايل، حيث وجّهت الحملات الاعلامية ضد مؤسسة كانت الميزان في العلاقة بين اللبنانيين، فيما قائدها هو الرئيس التوافقي المنتظر تبوؤه الكرسي الشاغر في بعبدا.

    البعض يعتبر ان البلد أصبح مكشوفاً بالفعل وخصوصاً في هذه المرحلة حيث تشظّت العلاقات المجتمعية بين مشروعين الأول يبحث عن دولة ولو دورها حماية ناسها وتستمر بالتطور البطيء والاصلاح بدلاً من الفلتان والخراب، والثاني يبحث عن رسم الشكل السياسي للمنظومة اللبنانية بناءً على معطيات الصراع من بغداد إلى غزة ليكون لبنان ثالث المرتكزات في مواجهة المشروع الأميركي. أصحاب هذا المشروع ينتظرون كل عام مرحلة جديدة يشعلون فيها فتيل اتهامات يكاد يودي بالسبب الذي يحمل فيه لبنان هذا التنوع المذهبي والطائفي والسياسي.

    بعد وصول البارجة الأميركية “يو أس أس كول” إلى البحر المتوسط وقبالة الساحل السوري ـ اللبناني، انفتحت الذاكرة عند البعض على أعوام الثمانينات وذهب آخرون إلى الخمسينات وحلف بغداد، وحاول “حزب الله” في بيان أصدره بعد وصول المركب أن يتهم الأكثرية أي قوى 14 آذار بالعمالة والانتماء إلى قرار المؤسسة العسكرية الأميركية، ودعا في بيانه من أسماهم الآتين بالبارجة الى أن يرحلوا معها. في بيانه نسف كل مفاهيم العلاقة اللبنانية من مكامنها الوعرة ووضعها في مهب ريح على حافة الهاوية. فكأننا بكاتب البيان يتحول من مقاتل في مزارع شبعا لطرد الإحتلال الإسرائيلي إلى ميليشيوي شرس ناقص للأخلاق وصاحب خبرة في الخوات وطرد العائلات من منازلها. وهنا حضرت صورة اللبنانيين في 14 آذار 2005 حين حملوا هم بناء الدولة بكل مكوناتها فيما كان النظام السوري وحلفاؤه يتراجعون أمام الحضور الشعبي للانتفاضة وللاستقلال.

    رصاص

    في إحدى صور الفيديو الهاتفي المتناقلة بعد حديث الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، يظهر أحد الشبان بوجهه الواضح مع مجموعة يحملون أسلحتهم ومن بينها قاذف “ار بي جي”، يظهر الشاب كرئيس للمجموعة حيث يمارس سلطته كأنه الآمر الناهي، وصاحب السلطة الجسد في هذا المكان على مدخل حي الشياح من جهة أوتوستراد هادي نصرالله. يحمل الشاب على كتفه السلاح الصاروخي ويوجهه من فوق حرش بيروت ويطلق الصاروخ فوق منطقة قصقص وطريق الجديدة، أي حيث توجد أغلبية تنتمي إلى جمهور 14 آذار. تنفجر القذيفة الصاروخية في الهواء، فنسمع أحد المشجعين وهو يصرخ “أطلقها على إسرائيل”.

    أطلقها على إسرائيل، تضيع إسرائيل التي نعرفها ونعرف من مدنها تل أبيب، ويصير المجلس النيابي في ساحة النجمة “الكنيست”، ويصير أبناء بيروت “أشكيناز” وأبناء الشمال وكسروان “سفارديم”. لم يقل له إضربها من غزة أو جباليا، فقط يرى طريق الجديدة أمامه، من دون الانتباه إلى أن الاختلاط المذهبي والعلاقات العائلية في هذه المنطقة تغلب على كل ما علّمه له خطيب أحد المهرجانات الحاشدة التي لا تعد ولا تحصى.

    ينسى صارخ القذيفة ومن أرسله أن عداء اللبنانيين لإسرائيل عمره ستون عاماً كما عمر القضية الفلسطينية. ويكتمل العداء هذه السنة بكل تفاصيله السوداء، فستون هزيمة العرب والشعب الفلسطيني تحولت في أحد أحياء بيروت إلى شعار عادي يطلقه أحد الشبان الخارجين من مربعات الحزب الأمنية، كأنه يشجع فريقاً لكرة القدم أو فريقاً لرياضة رمي القرص. لا يحمل هذا الشاب بقوله إلا حقيقة إحساسه، هذا الشعور الذي تولد لديه مع الكثير من خطابات الشحن التي سمعها وأطلق من أجلها الرصاص وأشعل إطارات السيارات استنكاراً أو هجوماً واحتلالاً لوسط بيروت.

    فقدرة القائد الملهم على السير بجمهوره ووضعه في موضع التنويم المغنطيسي وتسييره في اتجاه يريده حسب مزاجه، أو تهدئته في الأوقات التي تحتمل حواراً، ضاعت مع الوقت وصار هذا الجمهور ومن شدة الشحن والخطابات التلفزيونية التي تبدأ بالسيد نصرالله وتنتهي مع وئام وهاب وناصر قنديل، يعيش في مواجهة مباشرة مع أبناء الأحياء المقابلة، هذه الأحياء التي واجهت العدوان الإسرائيلي والتي كانت طوال السنوات الستين على هزيمة فلسطين رأس حربة مع المقاومة الفلسطينية واللبنانية. شحن مكثّف بدلاً من أن يمنح القائد سيطرة أكبر على حشوده، أفلت الجمهور إلى مرحلة جديدة من الصراع أسوأ بكثير من معطيات وظروف الحرب الأهلية اللبنانية.

    بيروت في الليل

    ليل بيروت يختلف كثيراً عن ليالي السنوات الماضية، فهو قبل القمة العربية كذلك غير بعدها، هنا يتمنى الناس العودة إلى أول الأعوام الثلاثة حيث كان يمكن التقاط الفرصة وإسقاط الممدّد له قسراً في بعبدا ومنها كان انتخب رئيس جديد. الليالي القاتمة تحوي عدد سيارات أقل بكثير مما مضى من الأيام، فصورة الليل البيروتي على هدوئها لا تعطي الناس قوة للخروج من منازلهم والسهر في الأماكن التي كانوا يرتادونها سابقاً. والشوارع الخالية والمطاعم التي لا تعمل لا تقتصر على العاصمة فقط، فهذه الصورة انتقلت إلى العديد من المناطق الجبلية والمدن الساحلية حيث أغلقت العديد من المرافق السياحية أبوابها من دون أمل بإعادة فتحها في هذه الظروف.

    تمدّد الخوف إلى المناطق التي تعتبر متنفسات طبيعية مثل الشوارع البحرية في ضبية والمنارة وبحر صيدا وغيرها، هذا التمدّد العصابي بين الناس لم يأتِ من لا شيء فوصفة الخوف تتنقل، وما حصل من تحذير ودعوات لمواطني السفارات بعدم التنقل أو بعدم البقاء في لبنان، أخذ من اللبنانيين الأمل بتوقف هذه المجزرة بحقهم. فالأمل بانتخاب رئيس توافقي للجمهورية وفتح باب المجلس النيابي ليعود مؤسسة تشريعية وحوارية داخلية طار مع الرصاص ومع بقاء مخيم الاعتصام ومع الاغتيالات التي لم تتوقف، وكذلك الأمر مع هذا الخوف الذي تعيشه الجاليات الأجنبية. فاللبناني هنا صار يعتبر نفسه لاجئاً في وطنه أو جالية تجهز نفسها للرحيل بعد أي بيان يصدر عن السفير أو القائم بالأعمال كما الجاليات القادمة للعمل والسكن في لبنان. أي المواطن يقف مرعوباً أمام أخبار رحيل العديد من الغربيين والعرب من دون إعلان، فحرب الإشاعات عن رحيل الرعايا الفرنسيين والدنماركيين وغيرهم تشعل النقاشات العائلية حول جدوى البقاء هنا في هذا الوطن المقبل على عاصفة كما يتناقلون في أحاديثهم.

    أدهى الأمور وأصعبها هي اضطرار الكثيرين إلى استئجار منازل في مناطق تعتبر آمنة مثل الجبال وبالقرب من وسط بيروت وكسروان وجبيل، وخصوصاً قاطني مناطق الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت. فهؤلاء ينتظرون حرباً ما لا يريدونها، ولكنها كالقدر الذي لا مفر منه بالنسبة إليهم، وهم لذلك يجهزون حقائب التنقل والهرب، من غير مقدرة على رفض هذا الواقع ومواجهته. وهم إلى هربهم المؤجل ساعة بساعة يتخوفون من عدم استقبالهم في المناطق المختلفة بعد حفلات الشتائم والتدمير الممنهج الذي طال كل العلاقات الداخلية بعد حرب تموز.

    الخطاب السياسي

    ماذا لو كان الخطاب الذي يستمعه الناس عبر التلفزيون وعبر المنابر التي تطل على الحشود الجماهيرية أهدأ؟ سؤال يتردد بين الناس الذين صنعوا الانتفاضة، ماذا لو كانت الأزمة السياسية مفتوحة من دون استعمال الشارع ومن دون مخيم الاعتصام؟ هل ستتأثر أرزاق الناس وتنقطع الأحوال بين المناطق كما هي الآن؟ أم كانت استمرت الحياة الطبيعية على حالها من النواحي المجتمعية والمدينية والاقتصادية وغيرها الكثير؟. يسأل الناس وهم يقارنون اغلاق وسط بيروت حالياً ومخيم انتفاضة الاستقلال. يؤكدون أن لا مصلحة لمن يريد تدمير بناء الدولة اللبنانية بتحول الصراع إلى شكله السياسي فقط من دون تخريب، فالبعض يعتبر أن خروج سوريا من لبنان هو الذي أدى إلى انهيار الأوضاع إلى هذا الدرك، كأنهم بذلك يدافعون عن عودة القبضة الأمنية السورية إلى لبنان من بعيد.

    يتأكد الناس أن الأوضاع السياسية ليست هي التي تزيد وقع الأزمة في الشارع، بل التفجيرات والاغتيالات والحروب العبثية من حرب تموز إلى حرب البارد هي التي ترفع منسوب التوتر. يخاف الناس من إعلان دعم “حزب الله” يوم قُتل أحد قادته في دمشق وعدم الاعلان هذا لم يأت من فراغ أو كره، بل أتى من تاريخ طويل من التخلي مارسه الحزب على الداخل اللبناني، فهو لم يكن ولا مرة إلى جانب اللبنانيين وبالعكس وقف في مواجهتهم في العديد من المفاصل من 8 آذار 2005 حين رفع صور بشار الأسد في وسط بيروت إلى توزيع الحلوى يوم استشهاد سمير قصير وجبران تويني وإطلاق الرصاص ابتهاجاً في المناطق التي يسيطر عليها وغيرها من الأمور، وأبرز ما وضع هذه الحدود كان في فترة حرب تموز حيث انضم كل اللبنانيين في كل المناطق للمساهمة في إيواء المهجرين من الجنوب والضاحية وحمايتهم بعد تهجيرهم، فجاء ردّ الحزب وناسه بعد نهاية الحرب أن لا أحد اهتم بهم في تهجيرهم إلا حليفاهم التيار الوطني الحر وتيار المردة، فيما رمي جهد آلاف الشبان في بيروت والجبل وباقي المناطق من دون أي مدافعة من أحد من قياديي الحزب.

    قبل ثلاثة أعوام كانت الانتفاضة تنتصر في سلمها وفي تظاهرتها، فيما اليوم تنتصر بحماية ناسها وفكرة الوطن من خلال النقاش وفتح الباب أمام المجتمع المدني ليرسم شكل الوطن الذي نحلم به جميعاً.

    غزة بيروت غزة

    حين وصلت المشاهد التلفزيونية التي تعرض الضربات الإسرائيلية لقطاع غزة، خاف الناس في بيروت، فما حصل في صيف العام 2006 حين اشتعلت غزة فقام حزب الله بفتح الشريط الحدودي وخطف أسيرين إسرائيليين عاد إلى الذاكرة بسرعة، لا شيء يوحي بأن الظروف مختلفة مع ان التحليل المتكامل لدى كل مواطن بعيد جداً من منطق إشعال الحروب. بعضهم يعتبر أن إسرائيل أذكى من أن تشن حرباً على لبنان لأنها هزمت في تموز، وهذا رأي المقربين للمعارضة. ورأي آخر يقول إن الحزب لن يقوم بالدخول في أية معارك، ولذلك أسباب أهمها ان انتصار أو رد العدوان في تموز لا يريد الحزب تضييعه في معارك جديدة قد تتغير فيها المعادلات ويخسر فيها الكثير، وخصوصاً أن لا جاهزية للجيش السوري للتصدي للإسرائيليين في حال توسّعت الحرب ووصلت إلى دمشق.

    تغيب في التحليلات السابقة وغيرها فكرة وجود القوات الدولية المنتشرة على الحدود اللبنانية الجنوبية، وتحضر أفكار عمليات الانزال والتحرك فيصير أكثر الشعب اللبناني خبيراً في إدارة الحروب والمعارك. أحد “الخبراء” يتوقع أن تصل في هذه الحرب الصواريخ إلى تل أبيب وما بعد تل أبيب وبالأحرى مفاعل ديمونا النووي، ويجد صدى لأحاديثه بإعلان حركة حماس فيها امتلاكها أكثر من 200 صاروخ غراد، وهو ما سيسمح للمقاتلين في غزة من عبور فلسطين من جنوبها إلى شمالها حيث يكون مجاهدو الحزب اخترقوا التحصينات الإسرائيلية، في حرب برية لم يشهد لها العالم مثيلاً إلا في الحرب العراقية الإيرانية. للمناسبة صواريخ غراد هي نمط متطور من فئة صواريخ الـ107 أي الكاتيوشا، و200 صاروخ يعني معركة لمدة ساعتين فقط لا غير.

    يجتهد آخرون في وصف رحلات الهرب من بيوتهم فمشهد الدم وبشاعة الإجرام والقتل الإسرائيلي في غزة غيّرت العديد من الأحلام هنا في بيروت، ومبيع الصيدليات لأدوية الأعصاب والمهدئات زاد بنسب عالية عن الأعوام الماضية، والأطباء النفسيون في هذه المرحلة، لا يمكنهم إعطاء مواعيد جديدة، كلهم مشغولون بالرعب الموجود لدى زبائنهم.

    هنا خوف وهناك في غزة دم. تختلف النظريات ولكن الواضح أن اللبنانيين يحتاجون إلى هدوء لن يستطيعوا الحصول عليه إلا بقدرتهم على منع من يحاول إشعال الحروب ككبسة زر من دمشق.

    قبل ثلاثة أعوام كان جميل السيد وغيره من قادة الأجهزة الأمنية يتحكمون مع شركائهم في الجهاز الأمني المشترك في رقاب الناس واعتقالهم وقتلهم. اليوم، يستمر الخوف من أبناء الوصي السوري ومن تحركاتهم في الشوارع، ولكن الفرق أن هناك من يحاول بناء الدولة، وأن الوقت كفيل بنجاح هذه المهمة. في 14 اذار 2005 كنا ننتظر تقرير اللجنة المنتدبة من الأمم المتحدة لتقصي الحقائق حول اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فيما اليوم ننتظر اكتمال عقد المحكمة، وبعد عام سنتأكد جميعاً أن القاتل سيدخل قفص المحاكمة، لنحتفل كلنا من دون استثناء في الساحة التي وضع الشهيد الحريري أول مدماك في جمعها للبنانيين.

     

    عمر حرقوص

    المستقبل – 14 آذار 2008

    Leave a Reply