• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    مطحنة المعايير وأثمانها

    شكّلت الجولتان الأولى والثانية من الانتخابات البلدية والاختيارية في جبل لبنان وبيروت والبقاع في بعدها المتصل بسلوكيات القوى السياسية نموذجا حيا صارخا على ازدواجية المعايير المبدئية التي تتبعها هذه القوى قاطبة، غير عابئة بما يمكن ان تؤدي اليه من انقلاب السحر على الساحر. حتى انه يمكن من الآن، والاستحقاق الانتخابي في النصف الاول من مراحله، استخلاص النتيجة التي لا يمكن اي حزب او تيار ان يتنكر لها، وهي ان التلاعب على حبل المبدئيات غالبا ما يفضي الى اثمان فادحة، ولعلها افضل العبر التي ترمى في شباك الطبقة السياسية اللبنانية برمتها.

    برزت ملامح هذه الازدواحية الفاقعة أولاً في ذلك “الفيلم” الرديء الاخراج الذي اتبع لتأجيل الانتخابات واخفق نجومه في اخراج الارنب من كمّ الساحر، ومعظم نتائج الانتخابات في جولتيها الاولى والثانية بات يفسر الآن لماذا كانت القوى المعلومة تدفع في اتجاه التأجيل دونما حاجة الى تفصيل ميزان الهزائم والانتصارات، علما انه لو كانت الطبقة السياسية صادقة في فهم طبيعة حاجات الناس وراغبة فعلا في تركهم يشكلون سلطاتهم المحلية المستقلة لكانت اما تورعت عن زج معارك سياسية موصوفة في هذا الاستحقاق واما عممت العنوان السياسي بوضوح وصراحة على مجمل هذا الاستحقاق، ولا ضير في ذلك ما دامت ارقى الديموقراطيات الغربية غالبا ما ترسم انتقال السلطة فيها على وقع الانتخابات المحلية المماثلة. غير ان الطبقة السياسية اللبنانية حاولت التخفي وراء الطابع البلدي بزعم محدوديته السياسية لتنبري الى قنص المكاسب، فوقعت في محظور المناورات والحسابات المباغتة في معارك ومواقع انتخابية مختلفة قد تكون مرشحة للتمدد الى الجولتين اللاحقتين في الجنوب والشمال.

    ثم ان ازدواجية المعايير ثانياً، اتخذت طابعا مشتعلا لدى بعض القوى في ظاهرة التحالفات، فاعتمدت البراغماتية المطلقة والتخلي عن كل الضوابط في مواقع انتخابية لتنبري في المقابل الى مواجهات كسر عظم في مواقع اخرى مع من تحالفت معهم.

    ادت هذه المناورة بطبيعة الحال الى تعرية القوى السياسية امام الناس وحفزت الناخبين اكثر فأكثر على النفعية والزبائنية من جهة، لكنها شكلت عامل استقواء للعامل العائلي – المحلي وعودة الناخب الى دائرته الضيقة المباشرة وحساباته فيها. ولعل هذا الجانب تماما هو الذي لعب دورا حاسما في صناعة المفاجآت السياسية في كل من جبيل وبعض انحاء المتن والاشرفية وزحلة والبقاع الغربي.

    اما المؤشر الثالث على ازدواجية المعايير فلا يقف عند حدود معاينة التكاذب السياسي وحده كعامل “ثابت”، “مألوف” في الطبائع السياسية اللبنانية، بل يتجاوزه الى ترسيخ انطباع معمم، لعله الاسوأ على الاطلاق، مفاده ان الانتخابات هي مطحنة “المبادئ” و”الثوابت” والمعايير والمفاهيم، وانها تجيز للحزب او التيار او الزعيم الخروج من جلده سعيا الى المكاسب والنقاط، ولا حرج في هذا التلون الفظيع ما دامت “القاعدة” التي تشكل “النظام الواقعي” الذي تتبعه سائر القوى اللبنانية في استحقاق كهذا هي تبرير التلون لا الثبات على اللون.

    اما “الخصوصية” التي يسبغها اصحابها على ظاهرة التوافقات المقفلة في المتن الجنوبي والبقاع الشمالي وبعدهما في معظم الجنوب فلن تكون وحدها كافية لانقاذ هذه الظاهرة بدورها من ازدواجية المعايير. اذ ان الحالة “العقائدية” لهذه التوافقات تثير القلق الشديد حيال السلوكيات والمفاهيم التي تتحكم بهذا النمط من التوافقات الذي يفرض موانع على التنافس الديموقراطي ويقمعه كأنه حالة عدائية.

    نبيل بومنصف
    جريدة النهار
    13.05.2010

    Leave a Reply