• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    شبيبة في سبيل العلمنة

     أن يتظاهر عدد من الشبّان والشابّات اللبنانيّين طلباً للعلمنة، فهذا ما يواجهنا ببضع حقائق أساسيّة يصعب تجنّبها.

    ذاك أنّ قطاعاً نبيلاً من الشبيبة اللبنانيّة لا يتوب عن رفع هذا الطلب. وهو دليل على أن القلب لا يزال ينبض بمعنى ما وباحتمال ما. فهم يريدون العلمنة من دون تزويق ومن دون تجزئة، ومن غير أن تكون شعاراً لا طائفيّاً في الظاهر طائفيّاً في الباطن، ومن غير أن تفسَّر انتصاراً لـ»قضيّة» طائفة ما على «قضيّة» طائفة أخرى.

    وتلك الشبيبة إنّما تفعل ذلك في وقت تبلغ الطائفيّة معه درجة غير مسبوقة من الاستفحال، وأيضاً من التأزّم. وهذا الاندماج بين المستفحل والمأزوم خير دليل على مدى الانحطاط الذي يغمرنا، خصوصاً أنّه يحدث ضمن محيط أعرض يتزايد فيه الإصرار على الهويّات الطائفيّة والمذهبيّة والدينيّة، كما يتزايد التعرّي من أقليّات المنطقة، واحدة بعد أخرى.

    هكذا نجد، أقلّه هنا في لبنان، أنّ وصول الطائفيّة ووصول علاقاتها إلى هذا الدرك الحاليّ، لا يستفزّ ضدّه إلاّ هؤلاء الشبّان المتظاهرين الذين يتصرّفون كأنّهم يشهدون للتاريخ وينوبون عن ضمير المجتمع وعن حكمته في آن معاً.

    بيد أنّ من فاقوا الخمسين يتملّكهم، حيال حدث كهذا، شعور بأنّنا «شاهدناه من قبل». فحتّى انفجار الحرب الأهليّة – الإقليميّة في 1975 كان هذا المطلب مطروحاً ومتداولاً، مثله مثل عديد المطالب الاجتماعيّة والاقتصاديّة الآيلة، لو تسنّى لها التحقّق، إلى تحديث المجتمع اللبنانيّ وأنسنته.

    وهذا شعور مُرّ يقول كم أنّ تاريخنا هو عود على بدء، وهو عود يتفّه نضالات أجيال ويسخّف تضحيات جماعات لا يلبث ورثتها أن يكرّروا المكرّر، بأشكال أخرى، ثمّ ينتهوا أصفار اليدين.

    واقع الحال أنّنا، جيلاً بعد جيل، نواصل صبّ الماء في الإناء المثقوب. فمن دون أن تنشأ دولة حدّ أدنى، تقوم على قانون حدّ أدنى، سيكون التقدّم على سائر الأصعدة وهماً محضاً. وهي مهمّة يستحيل الاقتراب منها قبل أن تسترخي أعصاب المجتمع إذا صحّ التعبير. أي قبل أن يزول الخوف من السلاح الذي لا يضبطه القانون، أكان سلاح الحرب من الخارج أم سلاح بعض الداخل بذريعة السلاح الأوّل. فمسائل الحدود وتأويلها الداخليّ كانت على الدوام أكثر ما يجدّد أسباب التنازع الداخليّ، الطائفيّ تعريفاً، إمّا على نحو مباشر وإمّا على نحو مداور. وهذا ما يجعل أيّ جهد نضاليّ لخدمة العلمنة، أو الإصلاح أو العدالة أو توسيع رقعة القانون، مربوطاً بجهد موازٍ لتحييد لبنان عسكريّاً عن صراعات المنطقة.

    وأمام الصعوبات الهائلة التي تسدّ هذا الطريق، أقلّه اليوم، ينتشر، إلى الشعور بالمرارة شعور بالحسرة: ذاك أنّ المسألة الاجتماعيّة، في سائر أوجهها، إمّا مغيّبة أو مستخدمة لخدمة طرف طائفيّ قنّع طائفيّته بأدلجتها وبجعلها «قضيّة وطنيّة». وهذا فضلاً عن استمرار الغرق الجماعيّ في وحل تزداد قدرته على الابتلاع وطلبه للجثث.

    فلا يبقى، والحال هذه، إلاّ الشكر والامتنان لهؤلاء الشبّان والصبايا الذين يلوّحون لنا بالمهمّة التي ستكون مهمّة الغد… هذا إذا ما أسعفنا العبور إليه.

    حازم صاغية
    جريدة الحياة
    27.04.2010

    Leave a Reply