• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    إنّها القرى

    في زمن الحروب، كانت اشتباكات الفصائل والأحزاب تعرّف اللبنانيّين على أسماء قرى لم يكونوا قد سمعوا بها من قبل. كانت تلك القرى تصير فجأة محاور وجبهات، يتولّى الإعلام العالميّ إشهار بعضها، وهي لا تعدو كونها دسكرات لا تفسح الذاكرات مكاناً لتذكّرها.

    قبلذاك، في زمن السلم البارد، كانت الأغنية الرحبانيّة تخترع قرى صغرى ترسمها فراديس حبّ طوباويّ، لا يسري عليها الانقسام ولا تأخذها الفرقة.

    الآن، في موسم الانتخابات البلديّة الراهن، نسمع شيئاً مشابهاً: قرى وعائلات و «بيوتات» تحتلّ صدارة المشهد، مُجليةً عنه الأحزاب والمعاني السياسيّة والائتلافات التي من صنف 8 و14 آذار. وائتلافات كهذه لم تكن أصلاً على قطيعة مع العائلات والقرى، فالقطيعة طموح كبير وبعيد المنال، بيد أنّها شكّلت منظومات توازيها فيما تموّهها بالقضايا «الوطنيّة» العابرة لها.

    ما هي الصلة بين الحروب والبلديّات والأغاني؟ إنّها، بالتحديد، القرى، واقعاً وعقليّة. ذاك أنّ العصبيّات الريفيّة التي تتبدّى اليوم على شكل استنفار سلميّ هي نفسها التي تنقلب، في أزمنة الحرب، إلى تقلّد الاستنفار الحربيّ. وهي عصبيّات، وليست أغاني، عصبيّاتٌ تصوغ أحزابها، ذات الظاهر الحديث، بأكثر من شكل مُحوّر ومداور. كما أنّها، بغرائزيّتها وعدوانيّتها، تقيم تحت أغطية إيديولوجيّة «وطنيّة» و «قوميّة» و «إسلاميّة» و «لبنانيّة»، فيما موضوع المواضيع لا يتغيّر: كيف التغلّب على غيرنا، وكيف إخضاعه؟

    لهذا يخطئ الذين يدرسون الانشطار الطائفيّ في لبنان في معزل عن انشطار آخر يعانقه ويكمّله، هو ذاك الذي يفصل المدينة عن الريف. صحيح أنّ مدننا غدت مُريّفة إلى أبعد الحدود، وأنّ ريفنا كان ولا يزال شديد الالتصاق الجغرافيّ بالمدن، إلاّ أنّ هذا رصيد صاف للوعي والتماسك الطائفيّين، لا مجرّد حادثة ديموغرافيّة حياديّة وعديمة التأثير. ولأنّ الأمر على هذا النحو، باتت مدْيَنَة الحياة العامّة والحدّ من تأثيرات الريف شرطين شارطين للعبور إلى أمام.

    وإدراكٌ كهذا يحفز على بعض التصويب الضروريّ: تصويب نظام يردّ المواطنين في لحظة الاقتراع إلى قراهم، وليس إلى المكان الذي يعيشون فيه ويعملون ويدفعون الضرائب، على ما يفترض المنطق الانتخابيّ منذ نشأته. بهذه الأولويّة إذ تُعطى لمسقط الرأس، يصار إلى تمتين الوعي والرابط الماضويّين، كما يصار إلى إعاقة التمديُن الذي ينتظر كلّ من يهاجر إلى مدينة. هكذا بدل أن يصوّتوا بموجب ما تمليه مصالحهم وأفكارهم الحديثة، يصيرون يصوّتون بموجب ما تمليه مصالح الجماعة الأهليّة التي ينتسبون إليها، فيكافئون الزعيم المحليّ، عبر الاقتراع له، على «خدمات» زبائنيّة سبق أن أسداها إليهم.

    أبعد من هذا أنّنا آتون من مخزون ثقافيّ لا يقتصر على الأغنية الرحبانيّة، مخزونٍ لا يفعل سوى النواح على القرية والتشكيك بالمدينة. يصحّ هذا في السرد اللبنانيّ التقليديّ الذي يقدّس الجبال والصخور والوديان، وقد سبق لوديع الصافي أن عدّد في إحدى أغنياته ما لا يُعدّ من قرى لبنانيّة واحدةً واحدة، كما يصحّ في السرود اللبنانيّة والعربيّة المناضلة على أنواعها، والتي تُجمع على احتقار «جبن» أهل المدن وعزوفهم عن القتال وحبّهم التجارة والربح والاستهلاك. وهو ينطبق على السياسة انطباقه على الشعر والرواية عندنا.

    وفي بلداننا، كما في بلدان العالم، تطلع الاتّجاهات العصبيّة، الغاضبة والمتوتّرة، والفاشيّة وشبه الفاشيّة، من الأرياف، من صوفيّة الأرض وعشق الفلاّح، ومن التراب والأصول والجذور والأصالة وباقي المصطلحات والمفاهيم الميثولوجيّة التي لا تفيد إلاّ العداء للحداثة والمدينة.

    هؤلاء، عندنا في لبنان، يصوّتون اليوم في البلديّات، وفي الغد يدمّرون كلّ شيء، بلا أغانٍ ولا من يحزنون.

    حازم صاغية
    جريدة الحياة
    24.04.2010

    Leave a Reply