• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    التوافقية شعار والغلبة فعل

    في البلاد وجهتا نظر متناقضتان جداً حيال الجيش اللبناني ودوره في مواجهة اخطار الداخل والخارج. الاولى، يعتبر اصحابها ان مهمته الاساسية هي الدفاع عن لبنان في وجه الخطر الاسرائيلي وعدم تركه هذه المهمة لـ “حزب الله”. وهو يستطيع تنفيذها بنجاح لأن في صفوفه “قوات خاصة” قادرة بالتدريب القاسي والمتنوع على حماية الجنوب وتخومه، خصوصاً اذا نجحت السلطات في البلاد بتزويدها الاسلحة الضرورية. وذلك امر يستبعد كثيرون ان يُمنى بالفشل لأن الاسلحة المطلوبة يسهل توفيرها من مصادرها الشرعية كونها لا تشكل خطراً على امن دولة اسرائيل.

    أما وجهة النظر الثانية، فيعتبر اصحابها ان تصدي الجيش اللبناني لاعتداءات اسرائيل عليه في المرات القليلة التي اتيح له ان يمارسه اظهر شجاعة كبيرة لدى الضباط والافراد. لكنهم يعتبرون في الوقت نفسه ان التصدي المذكور، وربما باستثناء بدايات “حرب الانقاذ” في عام 1948، لم ينجح في تحقيق المراد منه لسبب اساسي وبسيط هو الخلل الكبير بينه وبين جيش اسرائيل وفي كل شيء. انطلاقاً من ذلك يعتقد هؤلاء انه من غير المفيد التخلي عن تجربة مقاومة نجحت في تحرير اراضٍ محتلة من اسرائيل عام 2000 وفي كشف عوامل الضعف في بنيتها السياسية والامنية والعسكرية عام 2006 فقط من اجل الانسجام مع احكام الدستور اللبناني والقوانين التي تفرض ان يكون الجيش الرسمي على الحدود مع العدو، ولا يكون ثمة جيشان على ارض دولة واحدة، ويرتبط احدهما (غير الرسمي) باستراتيجيات اقليمية يمكن ان تورط لبنان، وألا ينفرد بقرارات واعمال تهدد حياة اللبنانيين ووطنهم. ذلك ان المقاومة المشار اليها حققت حداً ادنى من توازن الردع مع اسرائيل، في حين ان ازاحتها وتجيير دورها للجيش لا يضمن استمرار هذا التوازن. اما دور الجيش في ظل هذا الاعتقاد فلا بد ان يقتصر في رأي اصحاب وجهة النظر الثانية هذه على توفير امن الداخل اللبناني. ويعني ذلك في اختصار تحويله الى قوى امن داخلي.

    أي من وجهتي النظر هاتين قادرة على تحقيق الهدف الذي يؤكد اصحاب كل منهما انه وراء موقفهم؟

    وجهة النظر الاولى لا تصمد امام التدقيق فيها. فالقوات الخاصة الموجودة داخل الجيش لا تستطيع ان تقوم بما يقوم به “حزب الله” رغم بأس عناصرها ووطنيتهم وتدريبهم، اولا لأن مقاتلي (الحزب) لم يعودوا بضعة آلاف كما يعتقد كثيرون بل صاروا جيشاً قادراً على خوض حرب جديدة هي مزيج من حرب العصابات والحرب النظامية ويقارب عددهم مئة وعشرين الف “مسلح”، على ما يتردد، موزعين على كل الاختصاصات ومنتشرين على طول الجبهة مع اسرائيل وفي عمقها كما في كل المناطق الاستراتيجية اللبنانية. وثانياً، لأن نجاح القوات الخاصة اللبنانية قد يكون ممكناً في حال رافقته امور اخرى سياسية مثل تخلي “حزب الله” عن سلاحه او عدم استعماله ضد اسرائيل بعد اعادة الحياة الى اتفاق الهدنة، واتفاق الجميع في البلاد على ضبط السلاح الفلسطيني داخل المخيمات وخارجها وضمان المجتمع الدولي امتناع اسرائيل عن الاعتداء على لبنان. وهذا امر يعرفه اصحاب وجهة النظر الاولى هذه ويعرفون ان تحقيقه من المستحيلات. وثالثاً، لأن انكفاء الحزب المسلح الى الداخل، اذ ان احداً لا يستطيع نزع سلاحه، قد يدفعه الى “الحفاظ” على أمن الداخل اي الامساك به. فهل هذا ما يريدون؟

    اما وجهة النظر الثانية فإنها بدورها لا تصمد امام التدقيق العميق فيها. ذلك ان حصر مهمتها بالحفاظ على امن الداخل كما اقترح اصحابها ينطوي على الكثير من الوهم واللاواقعية. فجيش لبنان الذي لم ينجح ضد اسرائيل لم ينجح في الداخل الا عندما كانت تسود البلاد حال من الوفاق (الموقت) على صيغة سياسية مرعية ومحمية من خارج ما، عربي على الارجح، او عندما كان هذا الخارج العربي حاكماً ليس الجيش فقط بل البلاد كلها. هذه الحال سادت لبنان بعد “ثورة 1958” عندما ضمنت مصر عبد الناصر مسلمي لبنان ووجهتم صوب الرئيس فؤاد شهاب. وسادته مرة ثانية من 1990 حتى 2005 في ظل وجود سوري عسكري ومخابراتي وسياسي كبير مغطى من العالم العربي والعالم الاوسع. باستثناء المرتين المذكورتين عجز الجيش دائماً عن التدخل في نزاعات الداخل وإن هددت الوطن والدولة والانتظام العام خوفاً من الانشقاق (الطائفي سابقاً والمذهبي لاحقاً). وهو اليوم، مع احترامنا الكامل له قيادة وضباطاً وافرادا، عاجزٌ للاسباب نفسها، وعذراً لهذه الصراحة بل لهذه الواقعية. لكنها مطلوبة لأن غش الناس من كل الفئات والافرقاء لم يعد مقبولاً. فامراض الطائفية والمذهبية والحزبية السياسية تنخره، مثلماً تنخر المؤسسات الدستورية والادارات العامة. لذلك فإنه قد لا ينفذ اوامر تعطى له اذا تجرأ المسؤولون السياسيون على ذلك، ومن شأنها استهداف “شعب” من شعوب لبنان او اخضاعه.

    ماذا يعني ذلك؟

    عملياً يعني ان الصراع الديني الطائفي المذهبي لا يزال محتدما في لبنان، وهو انعكاس لكل الصراعات في المنطقة. وما لم تجد هذه الاخيرة حلاً لها فإن الاول سيزداد احتداماً. وهذا ما يبدو جلياً اليوم. ذلك ان التوافق الوطني الذي يفخر به كل “الناس” في لبنان والذي تشكل الحكومة عنوانه الرسمي ليس حقيقياً، ذلك ان هناك ميلاً الى الغلبة في الداخل من البعض على البعض الآخر داخل الحكومة وداخل هيئة الحوار وخارجهما. ولا يستبعد عارفون ممارستها او محاولة تحقيقها رغم اخطارها المعروفة. علما ان عند كل “شعب” لبناني مشروع غلبة.

    سركيس نعوم
    جريدة النهار
    23.04.2010

    Leave a Reply