• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    ليكون الإصلاح ممكناً

    يتعثَّر الإصلاح في لبنان حتى في أمور بسيطة كقانون البلديات. لا يدل هذا على نزعة محافظة لدى الجمهور. الناس في بلادنا من مختلف الملل والنحل تتبع آخر مبتكرات الحداثة في كل شيء: في المأكل والملبس والتصرف والاقتناء، في التكنولوجيا والاقتصاد، في الصَرْعات الفكرية والموسيقى والفن. منذ أربعة عقود دخل اللبنانيون في مخاض تغييري شامل. كل الجماعات والفئات انخرطت في نشاط سياسي محموم إلى درجة حمل السلاح من أجل التغيير من ذات اليمين وذات اليسار. في واقع الحال لبنان السياسي تغيّر في نخبته السياسية إلا القليل.

    لكن الأهم كان التغيير الاقتصادي والاجتماعي الذي بدّل الشرائح والفئات الاجتماعية داخل الطوائف وأعاد دمجها في النظام الاقتصادي وفق توازن جديد. ليس صحيحاً أن التغيير في لبنان مستحيل بل هو يسلك طرقاً ووسائل خاصة بحكم بنيته الطائفية.

    لم يكن صعباً على ممثلي القوى السياسية أن يتفقوا على مواضيع إصلاحية عدّة في «الطائف» لكنهم قاوموا بشدّة التعديل في توازنات السلطة. تعطّل تنفيذ الإصلاحات أو جرى تجويفها لأنها خضعت لميزان قوى بات يعكس رجحاناً لفريق طائفي على آخر. في كل مرَّة يطرح بند إصلاحي متفرداً عن فكرة المصالح المتبادلة والهواجس المختلفة فلا يتحقق.

    المصالح الاقتصادية الكبرى مؤمنة دائماً ومتعايشة مع النظام السياسي المتخلف. الكلفة التي تدفعها للقوى السياسية النافذة لا توازي كلفة بناء نظام عدالة اجتماعية بالحد الأدنى. زعماء الطوائف يرتاحون إلى رصيدهم السياسي الطائفي الذي ينمو على غريزة الخوف من الآخر والبقاء ويتغذّى من علاقات خارجية.

    مطلب الإصلاح قبل الحرب الأهلية (أو الحروب اللبنانية المركبة) كان قد دخل كل الطوائف والأحزاب، حتى اليمين الطائفي المحافظ لم يكن يقوى على اعتراض فكرة الإصلاح بل ذهب إلى استخدام عقدة الخوف الأقلوي والشوفينية.

    نجح اليمين الطائفي لأن الذريعة والحجة كانتا قائمتين بالمعنى المادي الملموس وغير المتخيَّل وهما الوجود الفلسطيني والسلاح الفلسطيني. يتجدّد المعطى نفسه اليوم بالحديث عن «سلاح المقاومة» بل عن سلاح فئة من اللبنانيين لها بالضرورة مشروعها السياسي وامتداداتها الإقليمية. طبعاً هناك الخوف الحقيقي وهناك استثمار الخوف والتخويف. كل المظاهر الفاشية في التاريخ قامت على استخدام «خطر» الآخر القائم أو المحتمل. الأساليب الفاشية يستخدمها أقوياء وضعفاء. انها مدرسة سياسية تجمع بين الرغبة والخيال، بين الخوف والقوة. فكرة إلغاء الآخر تمتد إلى كل ما لديه مادياً ومعنوياً وتستبعد في الاصل الحوار والتفاوض.

    الفاشية فكرة استباقية، لا تتعامل مع الوقائع بل مع الاحتمالات.

    الفاشية تحتاج إلى عقيدة، إلى مرجع أعلى، إلى مقدس. العرق، الدين، الثقافة، الطبقة، الأمة، الطائفة وأي شيء يصلح لبناء العصبية. العصبية هي المشترك، أي في الاتحاد قوة. تلغي الفاشية فكرة أي تمايز في كتلتها البشرية وفي الكتلة المقابلة. هناك جواهر متقابلة من الخير والشر، هناك غلبة لا بد منها، هي مجموعة متماسكة والآخر مجموعة متماسكة. نحن وهم نتشابه ونتناقض. ليس هناك أعظم من العنف لبلورة مشروع كهذا. العنف المعنوي والمادي، الخطاب والسلاح. في المشاريع الفاشية كل التضحيات بسيطة أمام انقاذ «الطوطم» أو «الصنم» أو «المعبود». المعبود هو الذي ينتصر أو يهزم وهو رمز انتصار الجماعة أو هزيمتها. هكذا يعبد اللبنانيون اليوم مجموعة من الزعماء أو من «العجول المذهَّبة». هنا توطد «الديموقراطية الطائفية» الاستبداد في الطوائف. في منظومة الاستبداد ليس مهماً نمط الحياة، المهم كرامة الجماعة. لا وجود للفرد وبالتالي المواطن، الوجود الفعلي للزعيم والعشيرة، للطائفة أو القبيلة.

    في معالجة مجتمعات كهذه مريضة بداء القبيل، بداء العصبية والعصاب، أو التوتر الغريزي الطائفي، لا بد من العمل على سياسات لتفكيك عناصر الالتحام بالعصبية. مشاريع الإصلاح يجب أن تتمتع بالمصداقية والتوازن وتوفير الضمانات.

    نحن اليوم في الذكرى الخامسة والثلاثين للحرب الأهلية. لم نجعل من تلك الحرب مثلاً لفهم حقيقتين: الأولى هي أن إدارة الظهر للمشاكل لا تحلّها، والثانية هي ان عدم الاستجابة للإصلاح يؤدي إلى كلفة باهظة. التغيير بواسطة الحرب مدمّر ومشوّه، التغيير السلمي هو الأفق الطبيعي لتطور المجتمعات. المشكلات السياسية التي تحلّها الحرب قد تخلق أزمات اجتماعية أعمق وأصعب. من غير الصحيح أن ليس لدى اللبنانيين مشتركات كأفراد أو كجماعات. في ثقافة الجماعات اللبنانية الدينية مشتركات، وفي ثقافتهم المكتسبة مشتركات، وفي طموحاتهم المستقبلية مشتركات. في الخوف هناك مشتركات وفي الأمل مشتركات. هناك حاجة لتأليف هذه النزعات في مشروع وطني.

    المشروع الوطني هو ما تجد فيه كل الفئات الاجتماعية صورتها. ثمة حاجة للحوار في ركائز الوطن والدولة وليس في اقتسام السلطة. ما زلنا نفترض بحكم التجربة القريبة أن لبنان وطن نهائي لجميع بنيه، وأن ليس من بديل ممكن عن العيش المشترك في هذا الكيان. أحد أبرز مشاكل لبنان التاريخية هو الصراع السياسي على السلطة المركزية. لم ينتج عن ذلك سلطة مركزية قوية، بل اتجاهات انفصالية. الخروج على الدولة هو مصير كل الجماعات التي شعرت بالغبن من العقد الوطني. كان يفترض أن اللامركزية الإدارية الموسعة، تعدد مستويات التمثيل الشعبي (البرلمان ـ مجلس الشيوخ ـ المجلس الاقتصادي الاجتماعي) هي ما يخفف حدة الصراع على السلطة ويقوم على توسيع مفهومها من حصرية السلطة التنفيذية (رئاسة أو حكومة) إلى مؤسسات عدة. هذه الفرضية للحل ما زالت قائمة وممكنة. لم ينتج الفكر السياسي حلولاً غير هذه الحلول للمجتمعات المتنوعة (أو التعددية). كلما اتجه لبنان نحو مركزية السلطة تعرض لأزمة وطنية، منذ مشروع بشير الشهابي الثاني حتى اليوم. نحن في نظام فدرالي مشوَّه، لا يمكن ان يستقر ولا يمكن أن يتفرق. ثبت أن لبنان لا يحتمل التقسيم، لكنه يعيش ازدواجية غريبة بين مجتمعه ودولته أو نظامه. واقعياً بعد «الطائف» نشأت اقطاعات في الدولة. هناك «الطائف» الذي لم يطبّق وهو يقترح سلطة مركّبة أو نظاماً مركباً لاستبعاد الدولة المركبة أو الدولة الاتحادية. السياسة الخارجية للبنان كانت دائماً عبئاً على الوحدة الوطنية. يجب خفض منسوب الصراع على هذه السياسة بالخوض في قضايا السياسة الداخلية. إذا اطمأنت الجماعات إلى مصيرها سهّل ذلك اندماجها في المشروع الوطني. وطن اللبنانيين لبنان، وهويتهم العروبة ومستقبلهم في مستقبل المنطقة وثقافتهم الأصيلة غير المفتعلة هي هذا التاريخ الذي ساهم جميعهم في صنعه. هل يمكن ان نفرغ الحوار من تشوّهات السياسة اليومية وبازار الشعبوية الطوائفية لندخل في صلب الموضوع بدون أقنعة ولا قفّازات؟! ليت الرئاسة الأولى تبادر إلى مهمتها هذه…

    سليمان تقي الدين
    جريدة السفير
    14.04.2010

    Leave a Reply