• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    متى يدرك الرئيس مبارك هذه الحقيقة؟

    تولى الشاه محمد رضا بهلوي حكم إيران منذ العام 1941 وحتى العام 1979، وقد كان شاه إيران على علاقة وثيقة بالمخابرات الإنكليزية والأميركية التي كان لها الفضل في إعادته للعرش عندما أجبره رئيس وزرائه، الزعيم الوطني محمد مصدق، على مغادرة إيران في بداية الخمسينيات، كما تميز حكم الشاه بالقمع الشديد للمعارضين وتسببت الشرطة السرية الإيرانية (السافاك) في قتل وتعذيب مئات الألوف من الإيرانيين، حتى قامت الثورة الإيرانية عام 1979.

    شاه إيران إذاً، بنظرة محايدة وموضوعية، ديكتاتور سفاح يداه ملطختان بدماء الإيرانيين وقد كان عميلا، بالمعنى الحرفي للكلمة، للولايات المتحدة والغرب.

    منذ عامين التقيت في القاهرة بالسيدة فرح بهلوي أرملة شاه إيران الراحل في منزل أصدقاء مشتركين. وقد أعجبت بشخصيتها المنفتحة اللطيفة المتواضعة ولفت نظري ذكاؤها الحاد وتعليمها الراقي. تحدثنا طويلا وأخبرتني أنها تكتب مذكراتها ووعدت بإهدائي نسخة منها عند صدورها. وفعلا أرسلت إلي مؤخرا نسخة من كتاب مذكرات فرح بهلوي (الصادر من دار الشروق). بدأت في قراءة المذكرات فاستوقفني أن السيدة فرح تعتبر زوجها الراحل شاه إيران بطلا قوميا وصاحب الفضل العظيم على إيران، كما أنها تعتبر الثورة الإيرانية مجرد مؤامرة قام بها مجموعة من الرعاع والحاقدين.

    وهي تصف اللحظات الأخيرة قبل أن ترغمهما الثورة، هي وزوجها، على مغادرة إيران فتكتب: «إننا نرحل رافعي الرؤوس واثقين من أننا عملنا دوماً لمصلحة البلاد، وإذا كنا أخطأنا فعلى الأقل لم نكن نفكر إلا في الصالح العام». اندهشت للغاية من هذا الكلام وتساءلت: كيف لهذه السيدة المثقفة الذكية أن تتجاهل أو تغفل عن الجرائم البشعة التي ارتكبها شاه إيران في حق بلاده؟ قد يقال إن حب الزوجة لزوجها يعميها دائما عن أخطائه لكننا لا نتحدث هنا عن عيوب شخصية بل عن جرائم بشعة ارتكبها الشاه في حق ملايين الإيرانيين. الأغرب من ذلك أن المذكرات حافلة بما يدل على أن شاه إيران نفسه كان يعتقد أنه أدى خدمات جليلة الى الشعب وأنه ضحى براحته وحياته من أجل الوطن.. يقودنا ذلك الى السؤال: كيف يرى الحاكم المستبد نفسه؟!

    يعلمنا التاريخ أن الحكام المستبدين جميعا كانوا يعتبرون أنفسهم أبطالا عظاما وكانوا في حالة دائمة من خداع النفس تجعلهم يبررون كل ما يفعلونه من تصرفات سيئة أو حتى ما يقترفونه من جرائم. هذا الانفصال الدائم بين الحاكم المستبد وما يحدث في الواقع، ظاهرة وصفها الأدب العالمي بدقة وأسماها «عزلة الديكتاتور».. فالديكتاتور يعيش في عزلة تامة عن حياة مواطنيه ولا يعرف حقيقة ما يحدث في بلاده. بعد سنوات من حكم الديكتاتور تتكون حوله مجموعة من الأصدقاء والأقارب الأثرياء الذين تجعلهم حياتهم المترفة بعيدين تماما عن معيشة الناس العاديين وبالتالي يفقد الديكتاتور إحساسه بالفقراء وهو لا يعايش الحياة الحقيقية أبدا بل تنتقل إليه صورتها عن طريق تقارير ترفعها إليه أجهزة أمنية مختلفة. وهذه الأجهزة ترى من مصلحتها دائما تخفيف الصورة القاتمة للأحداث تفاديا لغضب الديكتاتور، وكثيرا ما تتصارع هذه الأجهزة في ما بينها على ثقة الديكتاتور فتكتب تقارير متضاربة وتختلق أحيانا مؤامرات وهمية تزعم أنها قضت عليها لتقنع الحاكم بأهميتها. أضف الى ذلك أن الوزراء الذين يعملون مع الديكتاتور ليسوا منتخبين وبالتالي لا يهمهم إطلاقا رأي الناس فيهم بل ينحصر اهتمامهم في الحفاظ على رضى الحاكم الذي عينهم ويستطيع إقالتهم في أية لحظة، وهم لا يواجهون الحاكم بالحقيقة أبدا بل يقولون له دائما ما يعجبه… نادرا ما يغامر الوزراء في حكم استبدادي بالتعبير عن آرائهم الحقيقية بل يظلون دائما في انتظار تعليمات الرئيس وتوجيهاته وهم يعتبرون كل ما يفعله الرئيس أو يقوله أو حتى يفكر فيه، قمة الحكمة والشجاعة والعظمة. وهكذا تكتمل عزلة الديكتاتور عن الحقيقة حتى يفيق في النهاية على كارثة تحيق بالبلد أو ثورة تطيحه من الحكم.

    إن عزلة الديكتاتور ظاهرة متكررة في التاريخ وهي من أسوأ عيوب النظام الاستبدادي. عندما اندلعت الثورة الفرنسية في عام 1789 وحاصرت الجماهير الغاضبة الجائعة قصر فرساي، سألت ملكة فرنسا ماري انطوانيت عن السبب في هذه التظاهرات فقال أحد معاونيها:

    ـ انهم غاضبون لأنهم لا يجدون الخبز يا صاحبة الجلالة.

    فأجابت الملكة بدهشة:

    ـ ولماذا لا يأكلون الكعك؟

    هذه الجملة الشهيرة المنسوبة الى ماري انطوانيت تدل على مدى العزلة التي قد يصل إليها الحاكم المستبد. لقد كانت ماري انطوانيت امرأة قوية وذكية بل كانت المتحكمة الفعلية في قرارات زوجها الملك لويس السادس عشر. لكنها بعد سنوات من الاستبداد صارت بالفعل تعيش في عالم آخر بعيد.

    فكرت في ذلك وأنا أتابع ما يحدث في مصر. فقد ذهب الرئيس مبارك لإجراء جراحة في ألمانيا، أنا بالطبع أتمنى الشفاء لكل مريض لكنني لم أر في مرض الرئيس حدثا فريدا من نوعه. فكل إنسان يصيبه المرض كما أن سن الرئيس المتقدمة تفرض عليه بعض المتاعب الصحية بين الحين والآخر، لكن كتبة النظام استقبلوا مرض الرئيس وكأنه نهاية الدنيا حتى كتب بعضهم أن مصر مرضت بمرض الرئيس وكأن مصر العظيمة قد تجسدت وتلخصت في حسني مبارك. نفاق رخيص ومشين استمر طوال فترة العلاج، فلما نجحت الجراحة بحمد الله وعاد الرئيس مبارك الى مصر، انطلقت مواكب النفاق والطبل والزمر. وصدرت الأوامر الى بعض المطربين والمطربات بإعداد أغنيات خصيصا من أجل الاحتفال بعودة الرئيس الميمونة، ولا أعلم كيف يقبل فنان حقيقي على نفسه أن يتحول الى مداح بالأجر مثل أولئك المتسولين الذين يطوفون في الموالد. هل فكر هؤلاء المنافقون في ما سيفعلونه عندما يسافر الرئيس مرة أخرى الى ألمانيا لمتابعة حالته، هل سيؤلفون أغاني جديدة عند عودته من الفحص الطبي؟ هل يصدق الرئيس مبارك هذا النفاق؟! ألا يخطر بباله ولو للحظة أن هؤلاء الطبالين والزمارين لا يحبونه بل يدافعون عن الامتيازات التي حصلوا عليها في عهده؟ ألا يدرك الرئيس مبارك أن كثيرين من هؤلاء المنافقين ظلوا دائما ملتصقين بالسلطة وتلونت أفكارهم وآراؤهم بما يناسب كل عهد. كانوا اشتراكيين مخلصين في الفترة الناصرية، فلما تغيرت الرياح واتجهت الدولة الى الاقتصاد الحر صاروا من أكبر أنصار الخصخصة وحرية السوق. ما التصور الذي يملكه الرئيس مبارك لما يحدث في مصر؟! هل يعرف أن أكثر من نصف المصريين يعيشون تحت خط الفقر؟ ألا يقلق الرئيس أن ملايين المصريين يعيشون في العشوائيات بلا ماء ولا كهرباء ولا صرف صحي؟ ألا يزعجه انتشار البطالة والفقر والمرض والإحباط؟ هل يعرف الرئيس مبارك أن مصر قد تدهورت الى الحضيض في المجالات كلها؟ هل سمع عن الفقراء الذين يموتون في الطوابير من أجل الحصول على الخبز وأنبوبة بوتاغاز؟ هل سمع عن مراكب الموت التي يحاول من خلالها آلاف الشبان المصريين الهروب من البؤس فيلقون حتفهم غرقا في البحر؟ هل قال أحد للرئيس مبارك إن آلاف الموظفين يفترشون الأرصفة منذ شهور أمام مجلس الشعب مع أطفالهم لأن حياتهم أصبحت مستحيلة؟ هل فكر الرئيس مبارك في الموظف الذي يتقاضى مئة جنيه في الشهر لينفق على أسرة كاملة بينما كيلو اللحم قد وصل الى سبعين جنيهاً؟

    لا أعرف طبعا كيف يفكر الرئيس مبارك وان كنت أعتقد، طبقا لظاهرة عزلة الديكتاتور، أن الرئيس مبارك لديه تصور منفصل تماما عن حقيقة ما يحدث في مصر.. إن الواقع في مصر مرشح للانفجار بقوة في أية لحظة، ولو حدث هذا الانفجار لا قدر الله فسوف ندفع جميعا ثمنا باهظا. أتمنى أن ينهي الرئيس مبارك سنوات حكمه بإجراء إصلاح ديموقراطي حقيقي وتعديل الدستور بحيث يتيح التنافس الشريف بين المرشحين وإجراء انتخابات حرة نظيفة حتى يختار المصريون وجوهاً جديدة محترمة تتحمل المسؤولية لتنتهي محنة مصر ويبدأ مستقبلها. متى يدرك الرئيس مبارك هذه الحقيقة؟!

    … الديموقراطية هي الحل …

    علاء الأسواني
    جريدة السفير
    06.04.2010

    Leave a Reply