• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    ما بين الحيسوب وصاحب الرؤية

    ثمة توجه لدى بعض النواب، ومنهم من تحمل مسؤوليات كبيرة في سنوات منقضية، لمسعى ضبط العجز بحيث يكون الفائض الاولي كبيراً الى حد يسمح بخفض حجم الدين العام، وليس فقط خفض نسبة الدين العام الى الدخل القومي كما حصل في السنتين المنصرمتين نتيجة ارتفاع معدل نمو الدخل القومي بنسب أعلى من نمو حجم كتلة الدين العام. بكلام آخر، هناك رغبة قوية من مسؤولين في خفض أصل الدين ولو بنسبة بسيطة.

    لا شك في ان خفض أصل الدين، ولو ملياري دولار كل سنة على ثلاث سنوات، وهي المدة المتبقية لمجلس النواب اضافة الى شهرين، أمر يساهم في تحسن التوقعات المستقبلية وترسيخ سمعة لبنان الدولية وإكسابه مزايا لاجتذاب رؤوس الاموال، وربما التوظيف الجدي في مجالات اضافية للتطور العقاري.

    ان هذه النتيجة لن تتحقق بالزيادات الضريبية، وهذا أمر يجب ان يدرك مغزاه وابعاده النواب الكرام، وغالبيتهم لا تهتم بأكثر من تأمين موازنات عائلاتهما بوتيرة متزايدة ومطردة.

    النظرة المحاسبية الضيقة التي تهيمن على وزارة المال وعلى جزئيات انجاز الموازنة لن تساهم في النمو في غياب تحسين اداري ملحوظ ينصب على وسائل العمل، ومستندات انجاز المعاملات، واختصار هدر وقت المواطنين والموظفين على حد سواء.

    والنظرة المحاسبية هي نقدية في المقام الاول، وتاليا تغيب عن أصحابها امور كثيرة، فهل تفحصت الدولة ما لديها وما لدى المؤسسات العامة من موارد يمكن تحريكها؟ وهل تفحصت، على سبيل المثال، المخازن المهملة في منشآت مرفأ بيروت بينما تنجز شركات خاصة مخازن جديدة على الطرف الشمالي في ما يسمى “المنطقة الحرة”؟ وهل راجعت وزارة المال أهمية استعمال اراضي المصافي المتوقفة عن العمل والتي لا تزال تؤمن معاشات جارية وتعويضات عائلية باهظة؟

    اذا كانت المحاسبة الضيقة هي المنهج المعتمد في أي مجتمع، فلا شك في ان الحياة الاقتصادية في المجتمع المعني تذوي وتتقلص مع الزمن، والبلد المعني يفقد حيويته وجاذبيته، وهذا ما نقترب منه مع اقتراحات السياسات الضريبية التي تهمل مستوجبات تحميل الدولة تنظيم أجهزتها، وزيادة فاعليتها، واختصار معاملاتها، وتسهيل شؤون مواطنيها.

    على العكس تماما من سياسات الحيسوبين، ثمة تطلع من قلة ممن يستشرفون المستقبل. وكان من هؤلاء، بل من طليعتهم، موريس الجميل الذي كان أول من أوصى باعتماد الزراعات العضوية للتميز، واستغلال الثروات المائية لتوفير الطاقة والمياه النظيفة للحاجات المنزلية والزراعية، وتأمين مصادر مياه للتصدير. وكان ذلك قبل عقود.

    اليوم، المستقبل هو لأصحاب الرؤية والمقدامين، والدور المطلوب من الحكم هو تأمين الانتظام لإحقاق الحق في وقت معقول، وتأمين المساواة في معاملة المواطنين، وتوفير الخدمات الاساسية لإنجاح المشاريع، وضبط توجهات الاحتكار التي تعشش في جميع زوايا الاقتصاد اللبناني وتتآكل خيراته لمنفعة عدد محدود من المحتكرين الذين يتناوبون على ادوار الاحتكار تماما مثل العائلات السياسية التي تكاد تحتكر المقاعد النيابية لولا قلة استطاعت اختراق هذا الحصار.

    لبنان يستطيع ان يتجاوز اعباء الدين العام على الاقتصاد وعلى الاجيال المستقبلية اذا أمكنه ان يستقطب الى لبنان الادارات الرئيسية للشركات اللبنانية أو التي يملكها لبنانيون، وهي شركات ناشطة في الخارج.

    وهذه النتيجة لن تكون ما لم توفر البنية التحتية والتجهيزات الانشائية للخدمات الرئيسية في مقابل رسوم مقبولة الامر الذي يسري على الكهرباء والمياه والهاتف والانترنت وخدمات التواصل المهني المتعددة، كما على خدمات النقل برا وبحرا وجوا، اضافة الى نظام تقاضي محق وعادل وسريع في الوقت ذاته.

    اذا تأمنت هذه الشروط خلال ولاية هذا المجلس، وربما هذه الحكومة، يستطيع لبنان ان يستقطب غالبية المكاتب الرئيسية للشركات التي يسيطر عليها لبنانيون والتي تعمل على نطاق دولي.

    لقد أشرنا تكراراً الى أهمية أعمال اللبنانيين ونشاطهم افرادا ومؤسسات في المنطقة وفي المدى الابعد، وبينّا ان حجم اعمال بعض المؤسسات يفوق نشاطها في لبنان عشرة أضعاف أو عشرين ضعفا. وأهم نشاط اتقنه اللبنانيون هو في مجال الاتصالات، وشركاتهم الكبرى العاملة في هذا النطاق لا تعمل في لبنان. والسؤال يطرح، لماذا؟ الجواب واضح وهو الاستقطاب السياسي والاستئثار والأطماع كلها عناصر تبعد العاملين بنجاح على الصعيد الاقليمي والدولي عن العمل في لبنان. ونكتفي هنا بالإشارة الى خمسة مجالات للنشاط اللبناني الاقليمي والدولي التي تفسر الاتجاه الى الخارج في المقام الاول بسبب التضييق الداخلي.

    – خمس شركات اختصاصية في مجال الاتصالات الخليوية والانترنت تعود الى لبنانيين تؤمن خدمات لـ 110 ملايين مشترك في العالم من جنوب افريقيا حتى حدود روسيا، وشمالا الى تركيا واوكرانيا وشرقاً حتى باكستان.

    – شركة طيران تعمل في الهند وانطلاقا منها اصبحت خلال فترة تقل عن عشر سنين تسير 99 طائرة وحجم اعمالها يتجاوز بكثير ما حققته شركة طيران الشرق الاوسط.

    – أربع شركات تجارية تعنى بتسويق منتجات الالبسة والزينة والسيارات وعلى مختلف المستويات بلغ حجم اعمالها، على رغم انخفاض المبيعات في الخليج العربي حيث لها مراكز ناشطة، أكثر من خمسة مليارات دولار العام المنصرم.

    – شركتان للإنتاج الزراعي وسعتا ادوارهما في سوريا والعراق ومصر والسودان انطلاقا من لبنان واصبح حجم اعمالهما في هذه البلدان يزيد عشرة اضعاف عما توصلت اليه في لبنان، واعداد العاملين لديهما في الخارج بلغ خمسة اضعاف عدد موظفيهما في لبنان. وتضاف الى هؤلاء مجموعتان للإنتاج الصناعي للأغذية يبلغ حجم اعمالهما في الخارج عشرة اضعاف ما هو في لبنان.

    – أخيراً، نشير الى الخدمات المتقدمة في مجالات العمل المالي والمصرفي (باستثناء المصارف)، منها شركات تعمل على تصنيف مخاطر العملات والبلدان، واخرى تعمل على انجاز برامج المعلوماتية لمؤسسات عالمية ومؤسسات توفر خدمات تسويق التسهيلات الائتمانية للمسافرين واصحاب الحاجات، وشركات تأمين ذات امتداد اقليمي ودولي.

    لبنان المستقبل هو مع هؤلاء أفراداً ومؤسسات، ولن يكون لبنان ناجحاً اذا حكمه الحيسوبون، واذا بقي اهل الرؤية مركزين انتباههم على الخارج قبل الداخل. يجب ان نفيق وندرك معنى تحولات القرن الحادي والعشرين.

    مروان اسكندر
    جريدة النهار
    04.04.2010

    Leave a Reply