• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    لبنان: مؤشرات اقتصادية إيجابية وإنما

    نادرا ما حقق لبنان في سنة واحدة حزمة من المؤشرات الإقتصادية والنقدية والمالية كما في سنة 2009. 8 في المئة من النمو في الناتج المحلي، بواقع نحو 33 مليار دولار أميركي. تراجع العجز في الموازنة إلى ما دون 10 في المئة. تراجع نسبة الدين العام إلى الناتج ما بين 9 نقاط مئوية و10 أي إلى نحو 153 في المئة إلى الناتج. فائض في ميزان المدفوعات (على قاعدة الموجودات الخارجية الصافية في القطاع المالي) بواقع 7 مليارات و889.1 مليون دولار أميركي. أكثر من 29 مليار دولار أميركي موجودات مصرف لبنان. من دون احتياط الذهب. وزيادة ودائع القطاع المصرفي نحو 23 في المئة. هذه الحزمة المهمة من المؤشرات الإقتصادية، التي ساهمت فيها حركة تحويلات واستثمارات خارجية كبيرة، ونمو كبير جدا في السياحة بنحو 39 في المئة (من بين الأعلى عالميا في 2009)، وسط متوسط نمو في المنطقة بواقع 2.2 في المئة بحسب البنك الدولي، يفترض أن يبنى عليها لصوغ سياسة اقتصادية واجتماعية متكاملة. قاعدتها بالتلازم من أركان ثلاثة رئيسة:

    أولا: تحسين المؤشرات الإجتماعية

     المؤشر الحقيقي للنمو هو دخل الفرد إلى الناتج المحلي أو القومي. هذا لا تتحدث عنه لا المؤشرات المعلنة، ولا تصريحات المراجع الرسمية. من السخرية اعتماد الأسلوب التقليدي الأكثر رواجا في العالم الرأسمالي لاحتساب هذا المؤشر بتوزيع الناتج على عدد السكان في كيس واحد. تمركز الثروة في لبنان، المعبر عنه في نسبة ملكية الودائع الإجمالية إلى عدد المودعين الإجمالي، يكفي ويزيد لتسفيه الأسلوب المذكور في قياس الدخل الفردي. لدينا إحصائية ليست حديثة جدا تظهر أن 91.93 في المئة من المودعين يملكون 19.53 في المئة من الودائع. والباقي، أي 8.7 في المئة من المودعين يملكون 80.74 في المئة. طبعا غير الموجودات والودائع الخارجية. لم يتغير الوضع كثيرا في 2010. وإذا حصل، ففي اتجاه أكثر سلبية على الأرجح، بعامل تآكل مدخرات الناس بفعل الأزمة المعيشية وازدياد معدلات الفقر والبطالة. من الشفافية أن ينشر مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف هذه الأرقام. لا علاقة لذلك بـ “السرية المصرفية الجزيلة الإحترام”، طالما أن النسب والأرقام المجمّعة للودائع تنشر دوريا. وهكذا الحال في ميزانيات المصارف. الأرقام هذه يجب أن تكون في تصرف الحكومة ومجلس النواب، والرأي العام، لمعرفة مدى التشوه المريع في توزع الثروة في البلاد، ليستشعروا أهمية تحسين المؤشرات الإجتماعية حين إعداد مشاريع القوانين ومناقشتها وإقرارها.

    إزالة الإختلالات الكبيرة في الشأن الإجتماعي وتوزع الثروة وظيفة الدولة الأساس. كان يمكن مظلة التأمينات الصحية والإجتماعية أن تلعب دورا في المجال المذكور، لو كانت هناك استراتيجيا هادفة وواضحة. فبعد قرابة نصف قرن على قانون إنشاء الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي في 1963، لم يضف إلى تقديمات الصندوق فرع واحد، خلا التقديمات التعليمية التي ألحقت بفرع التعويضات العائلية. بينما لم يدخل التنفيذ بعد فرع طوارىء العمل والأمراض المهنية المنصوص عنه في القانون منذ صدوره. وما زالت فئات مهنية خارج تقديمات الصندوق، الذي يعاني إدارةً وشفافيةً وترهلاً حال معظم المؤسسات المعنية بالشأن الإجتماعي في لبنان. ولا يعتد هنا بحجم الإنفاق الإجتماعي الذي تتنكبه الدولة مهما كان حجمه، طالما لا يصل في أوانه وغير منقوص لمستحقيه، من دون ترتيب أعباء إضافية عليهم. علما، أن الحلقة الأضعف إجتماعيا، إما بداعي البطالة، أو لأسباب أخرى، ما زالت خارج أي نوع من التأمينات الإجتماعية، ومقصية عن اهتمام الدولة، ومستبعدة من الحصول على أي نوع من القروض الميسرة والمدعومة. سواء القروض الإسكانية، أو الشخصية وخلافها. ولا توجد إحصاءات يركن إليها لهذه الفئة المصنفة تحت خط الفقر. ولو أنها مقدرة في حدود 28 في المئة من اللبنانيين.

    ثانيا: إصلاح النظام الضريبي

    كيفما كانت اتجاهات الضريبة تبقى مثار جدل واسع. في وضع كلبنان، لا بد في النهاية من اعتماد الضريبة التصاعدية على الأرباح والثروة. والإنتهاء من وضع إقرار قانون الضريبة الموحد، بعد أن قطع الإعداد له خطوات متقدمة. الإشكالات القائمة الآن في وجه مشروع قانون موازنة 2010، لتأمين موارد إضافية لحجم إنفاق من نحو 13 مليار دولار أميركي، من دون الخلل في حجم عجز إلى الناتج تحت 10 في المئة، ودين عام في حدود 150 في المئة، ما كانت لتتحول دوامة تعيد إنتاج نفسها في كل سنة، لو اعتمد الإصلاحان المذكوران. يليهما بالضرورة حسم مواقع الأرباح التي ما زالت خارج التكليف الضريبي وفي مقدمها القطاع العقاري. واستعادة حقوق الدولة من الأملاك البحرية والعمومية التي تصادرها مجموعة محمية سياسيا.

    ومن العجب، أن هذه القضية التي باتت لفرط تكرارها من معالم الدولة الفاشلة بامتياز، لا تحظى كما الكثير من القضايا الحيوية المتصلة بالشأنين المالي والإقتصادي باهتمام من الحكومة ومجلس النواب لحسمها مرة أخيرة.

    الإشكال حيال زيادة الضريبة على الودائع المصرفية إلى 7 في المئة من 5، والتي قد تنتج أكثر من مليار دولار أميركي في 2010، تبعا لازدياد متوقع في حجم الودائع، ما كان ليحصل في وجود الضريبة الموحدة على الدخل. وبوجود الضريبة التصاعدية لا يعود من مسوغ للتحفظ عنها ” كي لا يتضرر صغار المودعين “، على ما قالت وزيرة المال في مؤتمر صحافي قبل نحو أسبوع. ونفترض أن الوزيرة على علم بأن نحو 75 في المئة من المودعين تراوح ودائعهم بين ما دون 3 آلاف دولار أميركي و7 آلاف. ومردود زيادة الفائدة على الودائع الحقيقية مع إدارة مالية حصيفة، ستفيد منه هذه الفئات بأكثر مما ستقتطعه الضريبة منها.

    من مبادىء الضريبة الراسخة إثنان جوهريان: أن تكون مكافئة للنمو وأن تتوخى العدالة. لبنان ليس مصنفا بلدا ضريبيا معوقا للنمو والإستثمار. القطاع العقاري الذي استقطب الحصة الأكبر من الرساميل في 2009، والذي يقتصر جهده المالي على رسوم التسجيل يظهر لبنان جنة ضريبية. التهرب من التكليف الضريبي يظهره مفسدة وملاذا للخارجين على القانون ويقع في خانة تبييض الأموال. معوّقات الإستثمار لدينا لا علاقة لها بالضريبة الشرعية وحق الخزانة منها. في نظام الضريبة الموحد الذي لا يبقي قطاعات خارج التكليف، أو تكليفا خارج الجباية، ينفذه وعاء إداري كفيّ ونظيف، لا يحصل ذلك. معوّقات النمو الإستثمار تكمن أولا في غياب الإستراتيجيا التي سبقت الإشارة إليها، تتبناها حكومة ومجلس نواب بالتعاون مع القطاع الخاص الذي يكتنز ثروة البلد بالإستقرار السياسي والأمني، وبتحصين البيت الداخلي في وجه الدورات السياسية والأمنية الإقليمية، المكشوفين عليها بقوة. أما العدالة في الضريبة في بلد يعتمد الضرائب غيرالمباشرة موردا رئيسا للموازنة، فمسألة أقرب إلى العبث. الضريبة أهم أداة للعدالة ولإزالة التشوهات في توزيع الثروة في كل ديار الأرض. في حال لبنان، حيث الشريحة الأوسع من الناس بلا حماية اجتماعية، وبتفاوت كبير في النمو بين المناطق، تغدو الضريبة العادلة جزءا من صيانة الإستقرار الوطني الذي تقوم به الدولة. وهي أيضا مصدر من مصادر الإنفاق على البنية التحتية. وهي مهمة متواصلة للتطوير وترقب مؤشرات النمو واستيلاده. ومردود الإنفاق على هذه البنية سيكون كبيرا على قطاع الأعمال والقطاع الخاص عموما. وكذلك هو الإنفاق على تحسين المؤشرات الإجتماعية والإنسانية، من تعليم وصحة وضمانات اجتماعية. لذلك، فالضريبة العادلة ليست عملا خيريا تتعهده الدولة، بمقدار ما هي ذات مردود وطني شامل.

    ثالثا : الإصلاح الإقتصادي

    لن نذهب بعيدا في مجال الإصلاح الإقتصادي. الحاجة والجدوى فقط هما السبيل إليه. “عقدة ملكية الدولة ودورها في الإقتصاد” ، ومقولة “الدولة تاجر فاشل”، جاء حلها من بلاد ميلتون فريدمان ورونالد ريغان ومارغريت تاتشر وتابعهما بامتياز جورج دبليو بوش، بأن تدخلت الدولة بالقرش الأبيض من المال العام، لتنظيف الممارسات السود للقطاع الخاص، بشراء أصول وخطط حفز بتريليونات الدولارات، خشية انهيار الدولة الأعظم والإقتصاد العالمي. رغم هذه التطورات التي طرأت على الفكر الرأسمالي العالمي، وتركت تداعيات نظرية واجتماعية خطيرة ليس ما يحصل في اليونان سوى القليل مما ينتظر منها، فلا يخشينَّ أحد من اتجاه الإصلاح الإقتصادي في لبنان. فمن تبقى من اليسار استقال من وظيفته من زمان. الإتحاد العمالي العام، الذي يركب موجات غيره ونعلم صناعة من، أفضل ما يقدمه للعمال هو عدم تدخله لا في الموازنة ولا في الإصلاح. ولولا تحركات الجسم النقابي في القطاع التعليمي والجامعي، وبعض نبض في نقابات المصالح المستقلة، لانتهى أمر الحركة النقابية ولو إلى حين. لا تتوافر كتلة سياسية شعبية في لبنان قادرة على المساهمة الجدية في إصلاح جدير بهذه المفردة.

    وضع القطاع العام بمؤسساته الإقتصادية والخدمية الحيوية لا يصلح إنه بحاجة إلى تغيير. وجهة نظرنا في هذا المجال سبق وعبرنا عنها في هذه الصفحة: خصخصة مؤسسات القطاع العام تفرضها ضرورة انتشالها من أيدي السياسيين وزعماء الطوائف والفاسدين. ومتى تثبت دراسات الجدوى أن استبقاء قطاع ما كليا أو جزئيا في يد الدولة، فيه مصلحة مالية واقتصادية واجتماعية راجحة، فليكن ذلك إنما بإدارة خاصة. إشراك القطاع الخاص في الملكية جزئيا أو كليا، يفترض أنه يعني في المقام الأول الجمهور من خلال ملكية أسهم وتجزيئها بما يتيح نجاحها. ويفترض ذلك الإفراج عن مشروع قانون تنظيم السوق المالية المتواري عن الأنظار منذ نحو 20 عاما.

    ملح في المجال نفسه، استقطاب جزء من السيولة الجاهزة للتسليف في المصارف. وهي بمليارات الدولارات لولوج المصارف إلى استثمارت في القطاع العام، وتوجيه تمويلها إياه لغير النفقات الجارية من خلال سندات الخزانة التقليدية. هذا يخفف من أعباء وتكلفة تعقيم السيولة لدى مصرف لبنان، عبر شهادات الإيداع وأدواته التي يستخدمها بداعي التحكم في المعروض النقدي وتثبيت سعر الصرف، ويخفف من “الود اللدود” بين وزارة المال ومصرف لبنان حيال السياستين المالية والنقدية. وكانت العينة الأخيرة منه اضطرار الوزارة إلى استئناف إصدارات سندات الخزانة بعد الإعلان عن توقفها إلى أجل غير محدد، وإسراع مصرف لبنان نحو إحياء شهادات الإيداع.

    أسوأ أنواع الإصلاحات، خصوصا في الشأنين المالي والإقتصادي، تلك التي تكون تحت الضغط. لبنان ليس في اختبار الضغط الآن مع المؤشرات الإقتصادية والمالية والنقدية غير المسبوقة. إنه في اختبار الجدارة لإدارة تلك المؤشرات بشفافية ونجاح والبناء عليها للمزيد منها.

    عصام الجردي
    جريدة النهار
    25.03.2010

    Leave a Reply