• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    في الهجرة المعولمة ونتائجها

    من المدهش أنه في الوقت الذي تزداد فيه حركة الانتقال العالمية للناس بشكل مطرد، نلاحظ ازدياد مشاعر الخوف من الأجانب واحتقان مشاعر العنصرية تجاه المسلمين وسلوكهم عامة. ربما هي ردة فعل طبيعية تعني ترسيخ الظاهرة والاستعداد للتأقلم معها قبل قبولها فعلياً. والهجرة، الظاهرة الموجودة في جميع الأزمنة، لكنها كانت تعني الانتقال كيلومترات عدة قط، وصارت في زمن العولمة والانتقال بحسب سرعة الصوت ظاهرة مركبة وينبغي التعامل معها بشكل جديد. وهي لا تقتصر على الانتقال من البلدان الفقيرة إلى البلدان الغنية.

    إن مسارات وبواعث ونتائج هذه الهجرات مركبة ومتعددة. ففي ظل اتساع العولمة لا يمكن تلخيص حركة البشر بالهروب من الحياة الصعبة في البلدان الفقيرة بغية الالتحاق بتلك الغنية للاستفادة من الظروف الاقتصادية. فجميع المناطق معنية بهذا المد حالياً، كمناطق ذهاب واستقبال وترانزيت، وأحيانا تكون المنطقة الواحدة مركزا لهذه وتلك في الوقت نفسه.

    كانت أوروبا في العام 2005 القارة الأولى في استقبال حركة الهجرة العالمية مع نسبة (34 %)، تتبعها آسيا (28 %)، وأميركا الشمالية (23 %) ومن ثم افريقيا (9 %) واخيرا اميركا اللاتينية والكاريبي (4 %). كما أن أسباب الهجرة تصبح أكثر تعقيداً، فهي: اقتصادية، سياسية، مناخية، أسرية، إثنية، دينية وشخصية…

    يورد العدد الأخير من مجلة «العلوم الإنسانية» أن الهجرة حالياً تتعلق بـ200 مليون من الأشخاص (75 مليونا في العام 1995)، أكثر هذه التحركات تحصل بين نصفي الكرة الشمالي والجنوبي. وبحسب إحصاءات العام 2009 لبرنامج الأمم المتحدة للنمو يهاجر شخص واحد فقط من كل 3 من بلده في طريق النمو إلى بلد نامٍ. وإذا كان أكثر من ثلاثة أرباع الهجرات تتم من اجل الاستقرار في بلد يكون نموه الاجتماعي والاقتصادي أعلى من بلد المنشأ، فإن نصف المهاجرين من بلدان فقيرة يستقرون في بلد فقير آخر.

    استجدت حديثاً عوامل عديدة تسهم في حركة البشر في النصف الجنوبي، بسبب بروز فئات خاصة من المهاجرين تتسببها الأحوال البيئية. من ذوبان الجليد، الى التصحر، الى ارتفاع منسوب المياه، الى الاعاصير والفيضانات والزلازل… كل هذه الظواهر التي يضاعفها تسخين المناخ تهدد دول الجنوب بالدرجة الأولى لأنها أكثر هشاشة.

    عكس ما قد نظن غالباً، ليس الاشخاص الأكثر فقراً هم الذين يهاجرون. فكما تذكر كاترين ويهتول دو ويندين في كتابها «العولمة الانسانية»، فمن أجل الذهاب: يجب الحصول على المعلومات، وعلى شبكة معارف، وعلى مدخرات. الحدود المفتوحة التي تمارسها الدول الاغنى لصالح استقبال نخبة عالية التأهيل تسهم أيضا. فهذه النخبة صارت هدف سياسات «الهجرة المختارة» المفضل.

    وهذا النوع من السياسة صار معمماً في أوروبا في السنوات الخمس الماضية بما يماثل سياسة الغرين كارد الاميركية. ان ما يطلق عليه «هجرة الأدمغة» طالت أكثر من ربع المهاجرين في العام 2000، أي 59 مليونا من الاشخاص، أي بزيادة الثلث في 10 سنوات. وتستقبلهم خاصة الولايات المتحدة وأستراليا وكندا. وهذه الهجرة الجذابة للحاصلين على شهادات عالية من منظور مهني وشخصي تحصل بشكل خاص من بلدان الشرق غالبا (أوكرانيا، روسيا، أوروبا الوسطى) ومن الجنوب (المغرب، الشرق الأوسط، أفريقيا الصحراوية، الهند، الصين، كوريا الجنوبية وأميركا اللاتينية).

    فيما يتعلق بالاقتصاد، تخفف الهجرة من التوزيع غير العادل للموارد على الكرة الأرضية، بحسب كاترين ويندن، وهي ستخفف من اللامساواة على الكرة الارضية، وسوف تساعد على العولمة الثقافية، وتقبل الاختلاف بعمق أكبر. إن الحراك سوف يصبح حقاً غير قابل للاسترجاع تتم إدارته من قبل جميع الدول.

    لكن سياسات الهجرة المعتمدة حاليا في العالم قامت على دمج المسألة بقضية الأمن. فمنذ التسعينيات أصبحت الهجرة مناطة بوزراء الداخلية في البلدان الأوروبية، بينما كانت من صلاحيات وزراء العمل. وهذا ما أعطى القضية بعداً تجريمياً. لكن هذه الظاهرة ليست اوروبية فقط، فهي متشاركة بين مجمل دول الاستقبال العالمية. تصاعدت في الولايات المتحدة في اعقاب 11 سبتمبر، وساعدت عليها كتابات صمويل هنتنغتون عن صدام الحضارات. استراليا تتبع سياسية متشددة تجاه «قوارب البشر» التي تحتجزها في جزر في عرض البحر. المفارقة أن يتم هذا التجريم في سياق مدّ متزايد من العولمة مع انفتاح الحدود السوفييتية والآسيوية، ومع إعطاء جوازات سفر بكثافة في بلدان المنشأ، وفي وقت يكثر فيه مهجرو البلدان التي فيها حرب. لقد دخلت البشرية منذ عشرين عاماً في الموجة الثانية الكبرى من الهجرة في التاريخ؛ الأولى كانت هجرة الأوروبيين الى العالم الجديد والمستعمرات.

    نشأت حديثاً فكرة المطالبة بتوجيه عالمي للهجرة تعتمد على إدارتها وتنظيمها بطريقة جديدة، ذلك لأن الدول المستقبلة حاليا تقرر بهذا الشأن بمفردها. ولقد انطلقت هذه السيرورة في جنيف في العام 2004 بمبادرة من عدد من المنظمات العالمية المختلفة، ومن ثم تمت متابعتها من قبل الامم المتحدة منذ العام 2007، وحصل تنظيم فوروم سنوي عالمي للهجرات. يجمع هذا الفوروم بلدان الاستقبال وبلدان المنشأ، المنظمات العالمية والجمعيات المدنية والكنائس والنقابات؛ وانطلقت سيرورة جديدة حول فكرة ضرورة تحويل الحراك الى منفعة عامة عالمية.

    ويجدر بهذه الفكرة ان تأخذ طريقها، لأن الحراك يخفف من الشروخ الثقافية وانعدام المساواة على مستوى الكوكب. من هنا تشدد الامم المتحدة الآن على ربط إشكالية الهجرة بمنظور النمو. حالياً يستحيل على ثلثي سكان الكوكب السفر بحرية، والمفارقة أن من يهاجرون هم أقل حرية، لأن حقوقهم محدودة في الدول التي تستقبلهم.

    من هنا ضرورة عمل مدونة plate forme مشتركة تعرّف خطة عمل معتمدة من قبل الدول فيما يتعلق باحترام الحقوق الأساسية وغير القابلة للاستعادة، ويتم ربطها برقابة السياسات المتبعة. بحيث لا يعود ممكناً ترك الاشخاص من دون أوراق لأكثر من 10 سنوات، أو ترك غيرهم يموتون على أعتاب أوروبا. هذا المشروع القيادي العالمي للهجرات هو دبلوماسية موازية تقوم بها الامم المتحدة ضد سياسات الدول المستقبلة.

    من جهة اخرى، نجد ان الجنوب شديد الانقسام، ولا يملك خطة عمل خاصة به، لكي يواجه بلدان الشمال. لكن اوروبا تجد نفسها في وضعية متناقضة: إنها تعاني من شيخوخة السكان، وتحتاج الى أيد عاملة في الكثير من قطاعاتها. ويعد رفض تسوية أوضاع من هم من دون أوراق موقفاً شاذاً من الناحية الاقتصادية. فهم لا يدفعون حصتهم من الضرائب، ويستهلكون القليل، ولا يبادرون اقتصادياً. عندما قامت اسبانيا بتسوية أوضاع 750 ألف شخصاً في العام 2005، دخلت خزائن الدولة الكثير من الاموال.

    على كل حال تدفع الديمقراطية من ناحية، والنقص في اليد العاملة من ناحية أخرى، على تحريك الأمور.

    منى فياض
    جريدة أوان
    13.03.2010

    Leave a Reply