• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    إعلام وإيديولوجيا

    بات من المتّفق عليه أنّ الذين نعوا الإيديولوجيا وأعلنوا موتها تملّكهم التسرّع واستولى عليهم إحلال رغباتهم الذاتيّة محلّ الواقع ووقائعه. وهذا، بدوره، لا يخلو من حمولة إيديولوجيّة وازنة تناقض المقدّمات التي انطلقوا منها.

    لكنّ ما يبدو صحيحاً بالمقدار نفسه أنّ الإيديولوجيّات النزاعيّة تواجه مأزقاً كبيراً لا تنفع اللغة الانتصاريّة في التستّر عليه.

    آخر الدلائل على ما نقول القائمة التي أذاعتها «لجنة حماية الصحافيّين» على نطاق عالميّ، وفيها أنّ ثلث الصحافيين المسجونين في العالم مسجونون في إيران، وذلك بعدما ارتفع عدد الإعلاميّين المحتجزين هناك إلى 52. أمّا الصين فتحلّ في المركز الثاني بعد إيران، حيث يبلغ عدد الصحافيّين المسجونين 24، فيما تحتلّ المرتبة الثالثة جزيرة كوبا حيث هناك 22 إعلاميّاً محتجزاً.

    وهذا، إذا ما قيس بأعداد السكّان، يجعل كوبا الأولى بلا قياس، فيما يُحلّ إيران في الموقع الثاني، دافعاً الصين بعيداً إلى الموقع الثالث.

    غنيّ عن القول إنّ البلدان الثلاثة المتفوّقة لا تستنفد خريطة زاخرة في قمع الإعلام والإعلاميّين تضمّ قائمة طويلة من الدول. مع هذا يبقى السبق لافتاً هنا. ذاك أنّنا نتعامل مع أنظمة ثلاثة إيديولوجيّة تتميّز عن نمطين آخرين من الأنظمة القمعيّة: الديكتاتوريّات العسكريّة والنسق السابق على الحداثة والإحكام الإيديولوجيّ. فهذان الأخيران يقمعان باعتباطيّة يصعب إدراجها في وجهة كما يصعب اشتقاق منطق مُلزم منها. وهما يطمحان إلى منع الإعلام من التأثير في نحو يخدم النقد والمعارضة، ولهذا ينزل ألمهما بالجسد الإنسانيّ فحسب، لكنّهما لا يطمحان إلى تغيير العقول، لا عقول الإعلاميّين ولا عقول من يتلقّاهم. هكذا يقف أذاهما عند عتبة الأرواح.

    النُظم الإيديولوجيّة، في المقابل، تعبّر منهجيّاً، عن أزمة منهجيّة، في عصر يصفه البعض بـ»عصر الشيوع والمعلومات». ومصدر هذا التأزّم كامن تحديداً في كونها إيديولوجيّتها.

    فهي ضدّ المعلومات، معظم ما تقوله وتفعله يصطدم اصطداماً رأسيّاً بالمعطيات والحقائق. وهي، تالياً، ضدّ الشيوع الذي يتهدّد إرخاء سيطرتها على السلطة ويهدّد بإخراج فئات متعاظمة من قبضة النفوذ الإيديولوجيّ الذي تمارسه. لكنّها، أيضاً، ضدّ الحياة وسيولتها في زمن جعلت العولمة أجزاءه في المتناول البصريّ لأجزائه الأخرى. هكذا بات دعاة القضايا المقدّسة مدعوّين إلى سوق شعوبهم بالعصا كي يحافظوا على تلك القضايا، غصباً عنهم وعن رغباتهم في الانصراف عن الحروب وتحسين مداخيلهم ومستويات معيشتهم وقدراتهم الاستهلاكيّة.

    لكنْ إذا كان العنصر الإيديولوجيّ يزجّ أنظمته في مجابهات متّصلة مع الحقائق، فما يزيد الطين بلّة أنّ العنصر المذكور يتبدّى، هو نفسه، مأزوماً مع ذاته نفسها.

    فالصين مدعوّة لأن تدافع عن أشرس رأسماليّة معاصرة بعدّة الفكر الاشتراكيّ. والشيء إيّاه، وعلى تفاوت، يمكن قوله في كوبا منذ سماحها بتحويلات المهاجرين إلى الولايات المتّحدة وبسياحتهم في وطنهم الأمّ. أمّا إيران، فلا تكاد تخرج من حرج تتسبّب به «ولاية الفقيه» حتّى تدخل في حرج ثانٍ. وقد بيّنت حركة المعارضة الداخليّة وتركيبها أنّ هذا الانشطار جوّانيّ جدّاً، لا يصدر عن «أعداء الثورة» التقليديّين.

    على النحو هذا جاز القول إنّ الحريّات الإعلاميّة تدفع ثمن تناقضين في آن معاً: واحد بين الإيديولوجيا والحياة في زمننا الراهن، وآخر بينها وبين نفسها.

    حازم صاغية
    جريدة الحياة
    13.03.2010

    Leave a Reply