• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    الرابع عشر من آذار… لأخذ العٍلم والعَلم

    قبل خمسة أعوام لازمت انتفاضة الاستقلال صورة المواطنين الحالمين بالحرية والدولة والاستقلال، هذه الصورة البهية تجلت بأبهى أشكالها يوم 14 آذار 2005، أي بعد شهر على استشهاد الرئيس رفيق الحريري في “مقتلة السان جورج” مع رفاقه، واصابة النائب الذي استشهد لاحقاً باسل فليحان. إذاً استكمل اللبنانيون دفن الرئيس الشهيد، ولم يناموا خائفين كما كان مطلوباً منهم من قبل بعض السياسيين، إنما تحركوا في أكبر احتجاج شعبي تشهده المنطقة العربية، من أجل وطنهم ومن أجل الرجل الذي تحول شهيداً إلى أب الاستقلال الثاني.

    إذا، في 14 آذار أظهروا صورتهم متوحدين بتنوعهم واختلافاتهم، وأيضاً بأحلامهم، هنا في ساحة الحرية الجميع كان يطالب بالسيادة، وكذلك بصورة الأبيض والأحمر، والعلم اللبناني الذي اتخذ مكانته رمزاً للبنانيين، بعدما كانت دمرته الحروب الأهلية وصراعات الأخوة والأشقاء، وكذلك بعد سنوات طويلة على الوصاية التي أضاعت البوصلة لدى الكثيرين.

    الصورة الملونة كانت ببروزها ذلك اليوم تؤكد أن اللبنانيين أصحاب الانتفاضة لا يمكن جرهم من جديد إلى صراعات الحروب الأهلية، والأمر هذا أي رفض الاقتتال هو واحد رئيسي من أحلام المليون ونصف الذين ملأوا الشوارع بصراخهم وأغانيهم، كان واقعاً غنياً بالسعادة، مع أن اغتيال سياسي بحجم الرئيس الشهيد استدعى دموع الجميع، ولكن ما صنعه للبنانيين من سلم وبناء هذا خلال مرحلة طويلة امتدت منذ عام 1982 وصولاً إلى استشهاده في 14 شباط، جعل اللبنانيين يرفعونه إلى مصاف الآباء في حياتهم.

    نجح اللبنانيون ذلك اليوم في تغيير الواقع، فخلال شهر صعب كانت التحركات تتصاعد فيه، استطاع اللبنانيون في ساحة الحرية أن يصلوا ذلك اليوم إلى قمة عطائهم لأجل وطنهم، فهم ومن خلال التحركات الكبيرة أسبوعياً، وكذلك من خلال التحركات اليومية، من بينها إسقاط حكومة عمر كرامي من دون قطع طرقات ولا حتى أي ضربة كف، ولا كذلك عبر أي تهديد، انما عبر نشاطات سلمية تأخذ كل يوم شكلاً جديداً من السلسلة البشرية إلى اضاءة الشموع وإقامة مخيم الاعتصام، وتوزيع الورود على جنود الجيش اللبناني يوم حصار المخيم قبل اسقاط الحكومة.

    كان أمرا جميلا في تلك اللحظة أن يتلون الشعب اللبناني بلون علمه، هو أمر رائع، لعله ليس فقط على الناس الواقفين هناك في الساحة، بل أيضاً على بقية اللبنانيين الذين اقتنعوا مع كل اختلافاتهم عن ساكني ساحة الحرية، أن لبنان وطن مشترك نهائي، برموزه كلها وأولها علمه. كان لون اللبنانيين في ساحة الحرية وفرحهم بداية لانجاز تاريخي أكبر من التبدلات والتغيرات السياسية، كان إشارة إلى الحياة التي يريدونها ملونة وقادرة على التنوع وتقبل الرأي الآخر، مع أحلام صعبة بقيام مشروع الدولة العصرية الحديثة، بعض الأحلام كانت واقعية جداً، وبعضها الآخر كان فيه أوهام جميلة، عن القضاء على الفساد، والتساوي أمام القانون.

    كان الواقفون ذلك اليوم في ساحة الشهداء يحاولون صوغ لبنان الجديد بأحلامهم، وهو أمر ضروري، لم يكن أمراً مصنوعاً في الخارج، ولم يكن جزءاً من مؤامرات كما حاول البعض توصيفه، بل كان تاريخا حافلا بالحزن والألم، وكذلك بأسماء آلاف اللبنانيين الذين جرحوا واستشهدوا ورحلوا مهاجرين أو مفقودين، كان التاريخ الصعب للبنان يحضر خلال هذه المرحلة مطالباً بصوغ نمط جديد من العلاقات الداخلية يرفض الانجرار إلى الحروب ويرفض الوقوع في أسر الصراعات التي لا تنتهي، تاريخ بدأ بكتابته قبل شهر واحد رجل استشهد لأجل لبنان اسمه رفيق الحريري، فنجح في جمع اللبنانيين في وسط عاصمتهم ليكونوا معه، محصنين بضريحه الذي يمنع عنهم جنون وأخطاء البعض.

    في ساحة الشهداء، حضرت العروبة بصورة الحرية والديموقراطية بعيداً من صور الأنظمة التوتالرية، عروبة سيد درويش وطه حسين وياسين الحافظ، وعمر فاخوري ومارون عبود وعروبة ياسر عرفات وجميلة بو حيرد وغيرهم الكثيرين. في اللقاءات السياسية كان حكمت العيد، يسمي التحركات باسم “انتفاضة الاستقلال اللبناني”، تيمناً بانتفاضة الاستقلال الفلسطيني، فيما سمير قصير يرفع الشال الأحمر والأبيض، ووليد عيدو يقف غير خائف من الاغتيال، معلناً بوضوح أن بيت الشهيد هو المكان الذي يجمع كل لبنان.

    كلنا للوطن للعلى للعلم، غنوا نشيدهم، بعدما كانوا لا يستمعون إليه. كان زياد يقف مع الشبان في الساحة، هو الذي قاتل في الحرب من أيامها الأولى إلى ساعاتها الأخيرة، حمل يومها علماً وينشد، يقول انه للمرة الأولى يكتشف أنه بهذا القدر متعلق بوطنه وعلمه والنشيد الذي كان يرفض أن يسمع كلماته. صار له بنتاً صغيرة يمشي معها في شوارع بيروت يدلها على أمكنة “الثورة” الملونة التي صنعها مع رفاقه.

    كان الانفصام اللبناني أمراً معهوداً خلال فترة الحرب الأهلية، وكذلك في مرحلة السلم التي تلت العام 1991، ولكن هذا الانفصام لم يعد موجوداً طوال فترة الانتفاضة، فثورة الأرز كانت وردة صغيرة جمعت اللبنانيين، رافضي الأحزاب والسياسة حضروا قبل العاملين في الشأن العام. صورة غريبة يومها، أن تتحول أيضاً المرأة إلى شريك فعلي في تلك المرحلة، كأنما البلد نشأ من أجلها فقط، كما الشباب الذين أبدعوا بأفكارهم، والأطفال الذين رسموا صورة لن يعبر يوم في تاريخ العالم مثلها.

    في ساحة الحرية، حضروا جميعاً، غنوا وبكوا ورفعوا أذان المسجد وصوت جرس الكنيسة، وكذلك رقصوا، وانهار البعض من شدة الاعياء، وآخرون أكلهم الرعب، ولكنهم حضروا ليبعدوا الوهم عن عيونهم، دفنوا شهداءهم الذين سقطوا في الحرب، حين دفنوا الرئيس الشهيد، وكذلك بكوهم بحرقة حين بكوه، كان الرجل يحمل صورة الأب، فلم يغيبوا عن زيارته. لم ينتبه القاتل يومها أن الجريمة لا تقتل رئيس حكومة له طائفة، بل قتلت رجل أعطى وجوده في لبنان إحساساً بالأمان والطمأنينة كان اللبنانيون فقدوه طوال 15 عاماً من الحروب الأهلية التي فظّعوا فيها بحق بعضهم، وكذلك حروب الآخرين التي أيضاً لم تترك مكاناً إلا وفتحت فيه جرحاً.

    أحلام القادمين من كل المناطق، وكذلك اللبنانيين المهاجرين القادمين من دول العالم، كلها تجمعت في الساحة، مليون ونصف المليون لبناني حملوا راياتهم وكذلك صوتهم عله يصل إلى الأعلى منهياً حقبة طويلة من الخوف والنزاعات. كانت المرحلة التي تلت انتفاضة العام 2005 صعبة جداً، فيها سقط سمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني وكذلك بيار الجميل ووليد عيدو وانطوان غانم وفرانسوا الحاج ووسام عيد، وكاد أن يسقط فيها أبطال مثل مروان حماده والياس المر وكذلك الاعلامية مي شدياق. هذه المرحلة السوداء أثبت فيها أبناء ثورة الأرز انهم لم يسقطوا في العودة إلى حمل السلاح وإشعال الحروب حين وقع البعض بالخطيئة وأراد اشعال حرب أهلية.

    نجح معيار المواطنية في كثير من المفترقات الصعبة، وفشل في أماكن أخرى، نموذج صعب يحاول تقديمه اللبنانيون لأنفسهم في منطقة عربية تتبدل وتتغير، ولكن يغيب فيها معنى الحريات الشخصية والعامة. النموذج اللبناني ليس هيناً بناؤه، ولكن لا يمكن القول إلا انه تقدم كثيراً، بشكل لم يعد بالامكان إعادته إلى ظروف العام 1975 مثلاً، أو ما تلاها من سنوات دخول الأشقاء والأعداء، واللعب على أوتار كثيرة منها المناطقية والطائفية.

    بقي لبنان بناسه المواطنين وأبناء الطوائف جميعاً، تقلص الصراع من ديني إلى سياسي، وهو أمر جيد، تبدلت وجهة التحاور من حروب إلى صراعات في الشوارع إلى صندوق انتخابي أفرز أكثرية وأقلية. نجح قائد الأكثرية الرئيس سعد الحريري ومعه قوى 14 آذار في امتصاص الصدمات التي يحاول البعض ادخال لبنان بها، ونجحت هذه الأكثرية في تخطي ظروف صعبة، فالمهمة تقتضي بدفع لبنان أولاً إلى منطقة بعيدة عن الأزمات الاقتصادية والأمنية، أما الأزمات السياسية فهي أمر طبيعي تعيشه كل الدول الديموقراطية.

    يوم 14 شباط 2005، أتى صبايا وشبان من كل المناطق اللبنانية يحملون العلم اللبناني وكذلك صور الرئيس الشهيد رفيق الحريري، حرية سيادة استقلال، من الصباح يدور فتية صغار في الساحة يرددونها كأنهم يشاركون للمرة الأولى في انتفاضة الاستقلال. امرأة من الأشرفية، تسأل المنظمين عن أفضل الأمكنة للبقاء طوال النهار من دون أن تضطر إلى الاختباء من شمس اليوم الربيعي. صنين هناك مقابل بيروت يعطي هواء منعشاً يملأ الساحة، وتمارا الطفلة الصغيرة التي ولدت ذلك اليوم تصمت عند سماعها صوت التلفزيون، وصوت جبران تويني يقسم بالله العظيم.. يوم تاريخي لن يتكرر، ولكنه يبقى في الذاكرة كأنه حلم، أو لحن موسيقي جميل جداً سمع لمرة واحدة.

    عمر حرقوص
    جريدة المستقبل
    11.03.2010

    Leave a Reply