• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    عشوائية سياسية … وفقاعة أخلاقية

    تخضع المعايير الاخلاقية للممارسات السياسية في لبنان. ربما انطبق الامر على جميع مجتمعات العالم، لكن لبنان حالة قصوى. اذا كانت الاخلاق، على العموم، واجبة على الجميع وفي جميع الامكنة، فهي اشبه ما يكون بما يسمى «فرض عين» عند الفقهاء. اما السياسة فهي ما كان يسمى «فرض كفاية»، قبل العصر الحديث، وقبل نشوء الدولة الديموقراطية، حين كانت ممارسة السياسة لدى البعض تسقطها عن الآخرين. في الدولة ما قبل الحديثة، كان الناس رعايا الدولة وغير مشاركين فيها، فكانت السياسة تقتصر على البعض، على الملك او الامير والحاشية. في الدولة الحديثة المسماة ديموقراطية، يجب على الجميع المساهمة في السياسة، فهي اشبه بفرض عين، لا يسقط عن البعض بممارسة البعض الآخر له.

    يشارك اللبنانيون في السياسة عن طريق الانتخابات؛ اكثريتهم او بعضهم على الاقل. ينتخبون ممثلين في مجلس النواب، وهؤلاء ينتخبون وزراء ورؤساء. جميع هؤلاء يطرحون قضايا اساسية تتعلق بشرعية الدولة كالموازنة، في وقت متأخر، ويدعونها تتراكم في نتائجها ومفاعيلها. مضت خمس سنوات دون موازنة مقررة وموافق عليها في مجلس النواب، وهو المكان الصالح لهذا الامر. معنى ذلك ان ما يُجبى ويُنفَق هو تحت طائلة القاعدة الاثني عشرية، وهي لا تصلح قانوناً الا لفترة موقتة، بضعة اسابيع اذا لم يحدث ان اقر المجلس النيابي الموازنة في وقتها. اما استخدام القاعدة الاثني عشرية لسنوات عدة فهو امر لا ينتج عنه الا البلبلة والتشويش. يمكن القول ان هناك تعمية عما يحصل في اروقة السلطة. اذا كانت التعمية ناتجة عن قصد او عن غير قصد فهل في الامر ما يريب؟

    بعد تضييع الوقت في طرح اصلاحات لم تكن ذات اولوية اولى (مثل سن الـ 18، والنسبية في الانتخابات البلدية، وقبل ذلك الهيئة الوطنية للبحث في الغاء الطائفية، على ضرورات كل ذلك) هبطت علينا هيئة الحوار الوطني لمتابعة نقاشات بدأت في العام 2006 وفي ظروف طارئة. يتساءل البعض: هل ما زلنا في حالة طارئة تستدعي مناقشة امور مهمة في غير المؤسسات المنتخبة؟ أمَا كان يمكن مناقشة كل ما تناقشه هيئة الحوار الوطني، والحوار الوطني ضرورة في كل لحظة، في مجلس النواب وفي مجلس الوزراء؟ ام ان هناك اموراً مهمة، يجب ان تناقش في غرفة مغلقة، لا في المجال العام؟ وهل يعني ذلك التراجع الى دولة الرعايا؟ ام أن دولة المواطنين المساهمين في السياسة وفي الدولة لم تكن موجودة اصلاً؟ ام ان هناك دوافع غير مرئية، وفي الامر ما يريب؟ كل مجهول يبعث على الشكّ، وهذا من طبيعة البشر. لم تستطع الانتخابات النيابية ان تحسم مسألة الاكثرية والاقلية السياسيتين؛ ولا ان تحسم قضية من يحكم البلد: بالاكثرية ام بالتوافق، فهل تستطيع هيئة معينة ان تحسم هذا الامر؟ ام ان هناك اضافة الى لاشرعية السلطة؟

    الدولة تبقى حتى لو كانت السلطة غير شرعية. الدولة حدود. والشرعية تحتاج الى اعتراف دول العالم بها واقرار الشعب لها. السلطة غير الشرعية تُفرَض بالغلبة، بقوة الانقلابات العسكرية وما ابعدنا عن ذلك. نحن في دولة التعايش، او العيش المشترك، حيث الاولوية للاستقرار، لا غير الاستقرار؛ مهما كان الاستناد الى غير الشرعية ومخالفة الدستور والقوانين. اذا كانت الدولة حدوداً وفكرة، فإن الحدود موجودة، ومعترف بها، وان افتقدت الترسيم. اما الفكرة الوحيدة التي تجمع اللبنانيين فهي فكرة «العيش المشترك» مهما كانت القوانين؛ العيش المشترك كضرورة من اجل ألا ينفرط عقد المجتمع. نخشى عدم الاستقرار، ولنا الحق في ذلك، بل ان ذلك واجب علينا.
    مصدر العشوائية والتخبط هو ان البنية الذهنية للعقل المستريح اللبناني فقدت ما كانت قد تأسست عليه. فجأة، اختفى الحديث في المجال العام عن المساعدات الخارجية وعن مردود الخصخصة وعن اكتشاف النفط والغاز، وعن ثمن التوطين، وعن قيمة موجودات الذهب. يضطر اللبنانيون الى مناقشة قضاياهم الاساسية، بدون وجود مصادر خارجية للاتكاء عليها، وبدون وجود قاعدة انتاجية في الداخل. يجدون ان ما كان ميزة مثل تراكم الودائع اصبح عبئاً عليهم؛ ويجدون انهم مضطرون للعمل من اجل ان يكسبوا اوضاعاً تليق بهم. وهم ما تعودوا (الا الفقراء منهم، وتحت ظروف قاهرة) الى العمل والجد. تفرض عليهم شروط من الخارج، سواء من الناحية الاقتصادية او السياسية، وهم لم يتعودوا ان يحلوا مشاكلهم بأنفسهم. يعجزون عن الحل. تتحكم بهم العشوائية. تضيع البوصلة.

    في لبنان مال كثير (اكثر من مئة مليار دولار في القطاع المصرفي)؛ على الدولة دين كبير (يقارب خمسين مليار دولار)؛ في حساب الخزينة تراكم «فوائض اولية» (حوالى 4 مليارات دولار). هذه مفارقة. المفارقة الثانية هي الحديث عن زيادة الضرائب: إما زيادة ضريبة القيمة المضافة (TVA)، وهذه يقع عبؤها على عامة الناس ومعظمهم فقراء؛ وإما زيادة الضريبة على ارباح الودائع وارباح العقارات، وهذه يقع عبؤها على الاغنياء، وهؤلاء اقلية. يحتاج الامر الى قرار سياسي للاختيار بين تلبية «حاجة» الاغنياء الى مزيد من الثروة، وبين حاجة الفقراء الى رفع الضيم عنهم، مع التذكر بأن هؤلاء هم اكثر الاصوات في كل انتخابات، ولا يمكن ضبطهم الا عن طريق العصبيات الطائفية. فهل يصير التأجيج الطائفي اكثر ضرورة في هذه المرحلة؟ وهل يصير التمسك بالطائفية في النفوس والنصوص ضرورة اقتصادية لنظام اضاع البوصلة؟

    يتصارع اهل السلطة على الامساك بالسياسات المالية والنقدية: هل تصدر وزارة المالية سندات خزينة؟ ام يصدر المصرف المركزي شهادات ايداع؟ الصراع على السلطة في هذا المجال يقترب من اللعب بالنار. مع تهديدات الحرب الاسرائيلية، لا يحتاج البلد الى تهديدات مالية ونقدية داخلية. لا نحتاج الى حرب اجتماعية داخلية تؤازر الحرب الخارجية.

    ما يحتاج اليه المجتمع والدولة في لبنان هو الحوار في مؤسسات الدولة لإقرار سياسات متناسقة اقتصادية واجتماعية ومالية ونقدية ودفاعية، من اجل الحفاظ على التماسك الاجتماعي في مواجهة التهديدات الخارجية. لا يمكن ان تؤخذ التهديدات الخارجية إلا على محمل الجد، مهما كانت اعتبارات وقوع الحرب او عدم وقوعها. ما يرهق اللبنانيين نفسياً هو الخوف على الداخل، ومن الداخل؛ هو الخوف من انفراط العقد تحت ضغط العشوائية، وفي التخبط دون اطار الدولة، دولة المواطنين لا دولة الرعايا.

    تتجلى العشوائية السياسية في عشوائية اخلاقية. تفاقمت ظواهر اجتماعية تشير الى تفكك اجتماعي اخلاقي ما شهدنا مثله في أسوأ سنيّ الحرب الاهلية. هل يتآكل المجتمع من الداخل؟ لا يمكن فصل الظواهر السياسية عن الاقتصادية عن الاجتماعية والاخلاقية. اذا كانت العشوائية السياسية قد ادت الى فقاعة مالية تبدو معالمها في المضاربات العقارية وتفاقم اعمال السمسرة وقيم العيش على حساب الغير، والى نشوء بنية ذهنية اتكالية تستسيغ التبعية الثقافية والسياسية، فإنه يمكننا التساؤل: ألا يمكن ان تؤدي الفقاعة المالية ـ العقارية الى فقاعة اخلاقية، وهل تنفجر الاولى دون الثانية؟

    الفضل شلق
    جريدة السفير
    05.03.2010

    Leave a Reply