• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    بلا… سطح البلدية

    في العام 1997 بدأت الأجواء السياسية تتحدث عن تأخير ما يطل برأسه لانتخابات المجالس البلدية. هذه المجالس التي تأخرت انتخاباتها أكثر من ثلاثين عاماً، وتحولت إلى مؤسسات فارغة إما بسبب الاستقالات أو بسبب الوفاة مع مرور الزمن أو بالموت بسبب الحرب الأهلية، أو السفر هرباً من القتال، كان الشباب اللبناني يعرف رئيس البلدية يومها في مسرح الرحابنة فقط، وفي أغنية السيدة فيروز “على سطح البلدية”، فمعرفة عمل البلدية بالنسبة لمن عاشوا في ظل الحرب الأهلية أو ولدوا قبل بدايتها بأعوام قليلة كان لا يتعدى لوحة حديدية أكلها الصدأ في قرية بعيدة، نسي أصحاب البيت إزالة هذه اللوحة بعد أن رحم الله رئيس البلدية، وذهب الأعضاء كل إلى يومياته.

    كان المختار في البلدات والقرى اللبنانية، هو فعلياً الممثل الرسمي والوحيد للشرعية اللبنانية، مع توقف عمله فقط على ختم الأوراق المتعلقة بقلم النفوس وختم الصور الشخصية بالأبيض والأسود التي كانت توضع على إخراج القيد باللون الزهري أو الأخضر الفاتح “بيستاش”، والمختار أبو لطفي كان لديه سيارة مرسيدس 190 قطش موديل 1967، لون أحمر نبيذي أو أفتح قليلاً حسب كمية الغبار التي يجمعها على طريق صور صريفا مروراً بالعباسية. يعني أن لا بلدية ولا مجلس اختيارية، فيما بلدية بيروت الممتازة كانت يومها كما الآن، ممتازة فقط بالاسم، أي إن تنفيذ مقررات المجلس البلدي، يوافق عليها المحافظ أو يرفضها كما يشاء، فهو حر ورئيس السلطة الأعلى، مع انه موظف درجة أولى، فيما رئيس البلدية ونائبه والأعضاء كلهم، وهم المنتخبون مباشرة من الشعب لا يمكنهم تنفيذ أي قرار كما أي بلدية في العالم.

    المهم، حلم اللبنانيون بالانتخابات البلدية بعد أن نجحوا لمرتين في المشاركة بانتخابات نيابية الأولى في العام 1992 والثانية في العام 1996، شابتها مشاكل عديدة، ولكنها نجحت في صعود حركة مجتمع مدني طالبت يومها بمنع تزوير الانتخابات عبر مراقبتها من أطراف محايدة، واستعمال الساتر، وغيرها من المطالب الجوهرية، فيما انتظر الشباب اللبناني رؤية البلدية وشكلها ورئيس البلدية والمختار والأعضاء الاختيارية قبل انتخابهم وهم يقومون بجولاتهم كمثل المرشحين إلى المجلس النيابي، يزورون ويتفقون ويرسمون شكل اللوائح، فيما القهوة توزع، ويدق طبل الترحيب في بعض الأماكن، مترافقاً مع أغنية فيروز “على سطح البلدية كرمال وردة الجورية، مدري شو عملوا فيي” لتكتمل الصورة، ويصبح لدى أهل المنطقة أو القرية مرشحين ولوائح وعائلات تتدخل وتفرض أسماءً تريدها في اللوائح المشكلة، فيما مسؤولي الأحزاب السياسية يزورون القرى والدساكر ليكون لهم حصة الأسد في تسمية اللوائح.

    إذاً، تسرب خبر تهريب “البلديات”، فتطوع الآلاف من النخب اللبنانية للمشاركة في حملة انطلقت من أجل اجراء الانتخابات البلدية تحت عنوان “بلدي، بلدتي، بلديتي”، كان شعاراً جميلاً وجذاباً ومحدداً بدقة ماذا يريد من السلطات في تلك اللحظة. نجحت الحملة في دفع السلطة لاجراء الانتخابات البلدية عام 1998 بعد 30 سنة من تعطيلها بعد ان شكلت تحالفاً سياسياً وشعبياً واسعاً وقامت بحملة شاملة على المستوى الوطني، برز يومها نمط جديد من العلاقة بين اللبنانيين حول مفهوم المواطنية، بعيداً من “حروب أهلية” ومسبباتها، مرحلة سلم أهلي احتاجت إلى تدعيم، فأطلت الانتخابات البلدية في عامها الأول مغلفة باعتراضات، ومشاكل عديدة، ولكن الجيد فيها أنها حصلت لتصير أمراً واقعاً كل ستة أعوام. وكذلك برز دور فاعل للمجلس الدستوري الذي رفض تأجيل الانتخابات، فسارت وعين الله ترعاها.

    “بلدي بلدتي بلديتي”، صارت أغنية وتحولت الأغنية إلى انتخابات نجح فيها من نجح، وأخذ الآخرون نصيبهم من عدم الفوز والخسارة، مفهوم جديد بالنسبة لشبان تعرفوا على نوع مختلف من السلطة المحلية، سلطة بلا سلاح، تهتم بحائط دعم للجارة السمراء، الذاهبة كل يوم إلى المدرسة الرسمية التي ساهمت ببنائها البلدية على الطريق المعبدة بزفت جديد، عمل الرئيس ونائبه زيارات عديدة ومتواصلة إلى الوزارات المختصة لتأمين التمويل اللازم لشقها، وكذلك رأى الشبان أن البلدية تساهم في تنمية البلدة أو المنطقة في عدة نواح لا يمكن حصرها. ولذلك حلموا أكثر أن يشاركوا في الانتخابات، كمرشحين وكذلك كناخبين، من سن 18 وما فوق، ليكونوا شركاء في صنع الوطن.

    عادت الانتخابات البلدية بعد ستة أعوام، أي في العام 2004، كانت المطالبات بتعديل قوانينها تتغير وتتبدل، بين مطالبين بالنسبية وبين رافضيها، ولكن بالمجمل لم يحس اللبنانيون أن ما حصل منذ ستينات القرن الماضي وصولاً إلى ما بعد منتصف تسعيناته، يمكن أن يتكرر، أي أن لا تأجيل للانتخابات البلدية لأسباب تختلف كل مرة وتتغير. ولكن اليوم ومع العام الجديد أي بعد انتهاء انتخابات العام 2009 النيابية واقتراب التحضيرات للانتخابات البلدية، بدأ البعض يقفز محاولاً إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، أي تمديد المجالس وتأخير الانتخابات.

    تكاد تطير هذه الانتخابات، مع أن مجلس الوزراء أقر مشروع قانونها معدلاً بصيغة النسبية واللوائح المغلقة مع الكوتا النسائية، وحوّل مشروع القانون إلى المجلس النيابي ليمر على اللجان المشتركة أو اللجان المتفرقة، فيما لا تزال أصوات تتردد من هنا وهناك داعية بما يشبه التورية إلى اعلان الاصلاحات كاملة أو لا انتخابات، كأن أصحاب هذه الأصوات يحاولون من باب إما كل شيء أو لا شيء إلغاء استحقاقاً دستورياً يجب أن يكون ثابتاً في حياة اللبنانيين لا يؤجل ولا يؤخر.

    في الطريق إلى المجلس النيابي، طارت مشاركة الشباب في سن 18 عاماً، هذه القصة أي الدعوة لمشاركة من تخطوا هذه السن في الانتخاب والتي بدأت في العام 1998 مع مجموعة صغيرة من الشبان تحلقوا من حول حملة “بلدي، بلدتي، بلديتي”، وتوسعت لتضم شبان مستقلين ومنظمات مجتمع مدني وأحزاب سياسية، ومؤسسات كشفية، طارت أول من أمس في مجلس نيابي سمته الغالبة شبان جدد أتوا من رحم العمل الشبابي. قال رئيس مجلس الوزراء خلال ذلك اليوم الطويل في ساحة النجمة، “للأسف، سأمتنع عن التصويت”، كان يقولها وهو يسمع صوت آلاف الشباب في ساحة الشهداء منذ انتفاضة الاستقلال في العام 2005، يصرخون مطالبين بالدولة الحديثة وحق المشاركة. سمعها جيداً وأراد تطبيقها سريعاً، ولكن لم يكن باليد حيلة، أراد أن يصل الاستحقاق الدستوي وتمضي الانتخابات البلدية في موعدها من دون تأجيل وتأخير. هو يعلم جيداً أن الشباب اللبناني، من سن 18 إلى سن 21 بأكثريته المطلقة مع الأكثرية النيابية، وخصوصاً في المناطق المسيحية حيث أظهرت الانتخابات الجامعية ميلاً واضحاً لدى هذه الفئة العمرية إلى 14 آذار بتنوعاتها، ولكن الصمت والتأسف فقط في هذه اللحظة أهون من كثير الكلام.

    ذهب سن الـ18 إلى العام 2013، ويمكن أن يبتعد أكثر من ذلك، كإبن صغير بالكاد تعلم الحبو، فخرج من المنزل وضاع في الخارج، باحثاً عمن يعترف بحقه أن يكون صاحب صوته، بدلاً من أن يكون تابعاً، ينتظر بعيداً، مشمئزاً من ظروف بلد شبيهاً بأعتى الديموقراطيات وأغناها ثقافة في الحكم النزيه، في وقت لا زالت الحكومة ممنوعة من القيام بالتعيينات الادارية وتعيين أعضاء لجنة الرقابة على المصارف، أو حتى أجير في مصلحة ما، و حتى غداً عندما تجهز ميزانية الدولة وتعرض على مجلس الوزراء، فيصير تطيير الجلسات سمة الموسم.

    يا بلد، قد تكون صرخة شباب الـ18 القادمة، اسمعها الآن ولا تتأخر. يا بلد هناك الكثير من القضايا التي تستحق أن تصير واقعاً، منها تخفيض سن الاقتراع، والثبات في الاستحقاقات الدستورية، وتطوير عمل المؤسسات ورفع شأنها، بدلاً من أن تكون مرتعاً للمفسدين في الأرض.

    يا بلد اسمع الصوت ولو مرة، حتى لا يضيع الصوت.

    عمر حرقوص
    جريدة المستقبل
    25.02.2010

    Leave a Reply