• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    حرّاس على انهيار الدولة؟

    اذا استمر أداء الحكم على ما هو الآن، فان الهمس الذي بدأ يتناهى الى الاسماع سرعان ما قد يتحول صراخا من فوق السطوح.

    ولأننا في بلد تغلب عليه سياسة تظلّم الآخرين وارتكاب المساوئ ومن ثم تحميل المسؤولية للخصوم، قد يكون من الضروري القول ان وضع الدولة في الزاوية وسد منافذ التحرك على الحكم والحكومة وتعطيل برنامج السلطة التنفيذية، سواء لجهة ما تعهدته في بيانها الوزاري او ما جاء في سياق التصريحات والوعود التي اطلقتها، وخصوصا رئيسها سعد الحريري، ان كل هذا انما يشكل استمرارا لحقبة التعطيل والعرقلة ولكن من خلال التلطي وراء ذرائع تجميلية، هدفها ابراء ذمة بعض الافرقاء واظهار هذا البعض انه حريص على الحقوق والاصلاحات والتطوير اكثر من غيره، وهو حِرْص غالبا ما بدا خلال شهرين هما عمر حكومة الوحدة الوطنية، واي وحدة، وكأنه يأتي على قاعدة: ومن الحب ما قتل!

    نتحدث هنا عن كل شيء تقريبا، من الغاء الطائفية السياسية الى الانتخابات البلدية مرورا بخفض سن الاقتراع وبـ”النسبية”، والاصلاحات الاخرى في قانون الانتخابات البلدية، اضافة الى التعيينات والامور المتصلة بالبنود الاصلاحية و”باريس 3″.

    ❑ ❑ ❑

    عندما شكّل سعد الحريري حكومته، بعد عراقيل مفتعلة وشروط معرقلة استمرت خمسة اشهر ونيف كما يعرف الجميع، قيل انه مع تشكيل حكومة الوحدة الوطنية يمكن اخيرا الافتراض ان عهد الرئيس ميشال سليمان قد بدأ بعد تأخير، او بالاحرى تعطيل، استمر اكثر من ستة اشهر. وعندما ذهب الحريري الى دمشق، قيل ان العراقيل المحلية سرعان ما ستختفي تباعا وان العصي ستخرج من الدواليب، وان الدولة ستتمكن من إرساء الصفحة الجديدة التي ينتظرها اللبنانيون.

    الآن بعد شهرين تقريبا على تشكيل الحكومة، بدات الاسئلة ترتفع في الوسط الشعبي كما في اوساط قوى الاكثرية، حول ما اذا كانت هناك نيات مبيتة تهدف الى تعطيل اتخاذ القرارات، والى عرقلة تحرك السلطة التنفيذية وبالتالي الى افشال الحريري واستنزافه، تماما كما يتم استنزاف العهد منذ ما قبل تشكيل الحكومة.

    ولأن الرأي العام لا يدقق عادة في التفاصيل ولا يذهب الى الخبايا في النفوس والى الخطط والمناورات وخديعة الاقنعة، بل ينتظر النتائج، فقد يأتي يوم قريب يقال فيه إن العهد فشل والحكومة فشلت، في حين ان الواقع مغاير تماما والحقيقة معاكسة، لان استمرار الممارسة السياسية على النحو الذي شاهدناه وعرفناه، سواء في مسألة خفض سن الاقتراع او في موضوع الانتخابات البلدية او في التعيينات وعرقلة الآليات المقترحة لها او في مسألة اقرار الموازنة غدا، والبدء باصلاحات “باريس 3″، انما هو استكمال واضح وصريح للتعطيل، الذي يتم هذه المرة بوجوه ترسم ابتسامات مصطنعة بعدما كان يتم بوجوه متجهمة وألسنة تقدح شرراً!

    لكن ثمة ما يدعو الى سؤال أعمق وأهم وهو:

    هل من المنطقي الحديث غدا عن فشل العهد والحكومة، ام ان المنطق يفرض القول انه تم افشال العهد والحكومة وبـ”سلاح” ظريف وبرّاق يدعي “الديموقراطية التوافقية”، ابتدعناها فكنا تماما كمن يضع الاغلال في يديه ورجليه ثم يحاول ان يفوز في سباق الضاحية؟!

    ❑ ❑ ❑

    لقد امضى الرئيس ميشال سليمان حياته العسكرية وهو يستعمل اوامر تقول: “الى الامام سر… ومكانك راوح. والى اليمين درْ. والى اليسار درْ”.

    طبعا هذا مفهوم. ولكنه كرئيس “توافقي” للجمهورية نسي على ما يبدو كل هذه العبارات باستثناء القول “مكانك راوح”.

    واذا كان مفهوم التوافق يفرض عليه عمليا عدم القول الى اليمين درْ او الى اليسار درْ، فان هذا المفهوم لا يحتم عليه اطلاقا التمسك بالقول دائما “مكانك راوح”، حرصا على “التوافق”.

    فالعهد في مكانه يراوح منذ عام ونيف، والحكومة في مكانها تراوح منذ شهرين، والبلد يتحرق لشدة توقه الى التحرك.

    ولكن الرئيس الذي يحرص على ترؤس كل جلسات مجلس الوزراء التي تناقش قضايا فيها وجهات نظر متعددة او متضاربة، يفترض ان مبدأ التوافق يمنعه من القول الى “الامام سر”، ولو عبر اللجوء الى التصويت في مجلس الوزراء، رغم اننا لسنا في صدد اعلان حرب لا سمح الله ولا عقد سلم، ولا في صدد تغيير في النظام، فنحن في صدد تعيينات لإطلاق عجلة الدولة، وتفاهمات بسيطة، لو توافر حسن النية لكان من السهل مثلا ربط خفض سن الاقتراع بحق المغتربين في الاقتراع واستعادة الجنسية ولو عبر مشروع قانون.

    ونحن غدا امام موازنة جديدة وامام تعهدات باصلاحات لا مفر منها، ونحن بالتالي امام سلسلة من النقاط والتفاهمات الجوهرية والمهمة التي تمت بين الرئيسين بشار الاسد وسعد الحريري مثل ترسيم الحدود والوجود الفلسطيني خارج المخيمات وتبادل الزيارات بين البلدين ومراجعة الاتفاقات المعقودة بينهما، وكل هذا يحتاج الى دولة تقرر وتتحرك.

    ان الاصرار على التوافق في كل شاردة وواردة سيعطل الدولة والحكومة بلا ريب، وسنبقى في مرحلة “مكانك راوح” حتى نصل الى الفشل والسقوط.

    ولعل اكبر دليل على ان التوافق الذي صار عندنا يساوي الاجماع، انما يوازي الفشل، هو تاريخ الجامعة العربية التي شبعت فشلا لان قراراتها تؤخذ بالاجماع!

    ليس هناك من اجماع في الدنيا، حتى على الانبياء. فلماذا تصرون على هذا الاجماع في تعيين عدد من الموظفين مثلا او في غير هذا من امور الدولة الواقفة في انتظار فرج لا يصل!

    في تسهيل امور الدولة والحكومة لننشد التوافق اولا بصدق وتعاون، فاذا تعذر هذا، على الرئيس سليمان ان يلجأ الى روح الديموقراطية بالتصويت. فاشتراط التوافق في امور مصيرية مفهوم لكن ان نتوافق بالتالي على تعطيل العهد والحكومة والبلاد، فذلك يجعل منا مجرد حراس على انهيار الدولة.

    راجح الخوري
    جريدة النهار
    25.02.2010

    Leave a Reply