• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    مشروع قانون الحد من التدخين
    معركة غير متكافئة مع شركات التبغ العالمية

    تناقش حاليا لجنة الادارة والعدل في البرلمان اللبناني مشروع قانون للحد من التدخين لا يلتزم باتفاقية منظمة الصحة العالمية الاطارية بشأن مكافحة التبغ والتي صادق عليها لبنان في عام 2005. تحدد الاتفاقية – ودون التباس- ضرورة منع التدخين في الأماكن العامة بما فيها المطاعم والملاهي في غضون خمس سنوات، واستخدام تحذيرات صحية متعددة كبيرة بما فيها الصور (50% أو أكثر من مساحة العرض الاساسية على أن لا تقل عن 30%) في غضون ثلاث سنوات، كما تحظر الاعلان عن التبغ في أي من وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والمقروءة والترويج له ورعايته وذلك في غضون خمس سنوات من بدء نفاذ الاتفاقية.

    في المقابل يسمح مشروع القانون المتداول بتطبيق نظام تقسيم المطاعم وغيرها من الأماكن العامة اقساماً متلاصقة للمدخنين وغير المدخنين وهذا ما أثبتت الدراسات والتجربة عدم فاعليته في درء خطر التدخين السلبي على غير المدخنين؛ كما يتغاضى عن استخدام الصور كوسيلة تحذيرية لمضار التدخين بالرغم من تأكيد الدراسات العلمية على تفوقها كتحذير صحي على التحذيرات الخطية خاصة متى كانت مكتوبة بخط رفيع غير مقروء كما هي الحال اليوم؛ وأخيرا ينكفىء مشروع القانون عن منع شركات التبغ من الترويج والدعاية لمنتوجاتها حاليا وبشكل حاسم ويقترح خطوات تدريجية، وهذا أضعف الايمان.

    لا شك عندي في أن الساعين الى اقرار مشروع القانون الحالي مقتنعون بمضار التدخين وأعباء كلفة العناية الطبية الناتجة عن عادة التدخين، ومؤمنون بضرورة اقرار قانون صارم في لبنان يلتزم بالاتفاقية الاطارية كما أوضحت أعلاه، ولكن تبنيهم قانوناً قاصراً لا يفي بالغرض ناتج عن اعتمادهم سياسة الخطوة خطوة بأمل أن يصبح لبنان شعبا ومؤسسات جاهزا لتقبل قانون متقدم في المستقبل (ومن يحدد هذه الجهوزية؟) وأيضا ناتج عن خوفهم من تضرر المصالح الاقتصادية للمؤسسات الاعلامية والترفيهية والسياحية بالرغم من أن تجارب الدول التي طبقت هذه الاتفاقية كانت غير سلبية. وللمناسبة لقد أعلن رئيس نقابة المطاعم تقبله منع التدخين في الأماكن المغلقة لحماية العاملين فيها من مضار التعرض للدخان. هذا التخوف والتردد من قبل ممثلي الشعب ليس مستغربا اذا لاحظنا أن شركات التبغ العالمية كانت تحضر بقوة وعدد لاستمزاج رأيها في جلسات نقاش مشروع القانون تحت قبة البرلمان قبل أن يعترض على ذلك عدد من النواب. بينما لا تحضر هذه الجلسات سوى بعض الهيئات الأهلية وبرنامج الحد من التدخين في وزارة الصحة. اما الغائب الأكبر فهي مراكز البحث العلمي وكليات الصحة. المعركة غير متكافئة وقد تكون محسومة سلفا لمصلحة مروجي منتوجات التبغ.

    لا يتوانى الكثيرون عن اتهام المؤسسات الأكاديمية ومراكز البحث العلمي بانسحابها من الحياة العامة والانعزال في أبراجها العاجية منتقدين مقولة البحث للبحث والعلم للعلم مطالبين الباحثين بأبحاث علمية تعنى بمشاكلهم وتساهم في ايجاد حلول لها. الواقع في مسألتنا اليوم هو معكوس تماما فالعديد من الباحثين العلميين وتحديدا وحدة أبحاث الحد من التدخين في الجامعة الأميركية يريدون ايصال صوتهم الى حلبة النقاش. تمثل مجموعة البحث هذه حالة متقدمة في البحث العلمي في لبنان والمنطقة العربية فهي من روّاد البحث العلمي حول التدخين خاصة في ما يخص النارجيلة. تتشكل الوحدة من اطباء، اخصائيين في الصحة العامة (public health)، مهندسين، واختصاصيين في الاقتصاد وادارة الاعمال مما يسمح للمجموعة بدراسة الأوجه المختلفة لآفة التدخين وبشكل متكامل. تعمل هذه الوحدة بالتنسيق مع برنامج الحد من التدخين في وزارة الصحة العامة وقد نجحت في نشر العديد من الأبحاث العلمية في أفضل الدوريات والمؤتمرات العلمية عالميا واقليميا. نجحت ابحاث هذه المجموعة العلمية في تأكيد مخاطر التدخين وخاصة النارجيلة وفي تحديد المكونات السامة لدخانها. كما أنها تعمقت في أساليب عمل شركات التبغ العالمية في الدول المختلفة والتي تركز حاليا على أسواق الدول النامية بعدما حصر القانون عملها في الدول الغربية، وهي أساليب ترغيب وترهيب تعتمد على ليّ الحقائق واخفائها وكيف لا وهذه الشركات تسوّق لمنتج لا شك في أنه المسبب الأول للعديد من الأمراض خاصة أمراض السرطان والقلب والأوعية الدموية.

    أين صوت هذه المجموعة العلمية من نقاشات لجنة الادارة والعدل؟ كيف لا يوجد لهذه المجموعة مقعد دائم الى جانب النواب الكرام في جلسات النقاش يصوبون فيها أقاويل شركات التبغ؟ لماذا لم يتجاوب ممثلو الشعب مع دعوة هذه المجموعة لحضور مؤتمرها الصحافي في الجامعة الأميركية في 11 شباط 2010 حيث أعلنت موقفها من مشروع القانون الحالي؟ تأمل المجموعة أن يتجاوب النواب مع الدعوة الأخيرة التي أرسلت اليهم منذ أيام لطلب لقاء شخصي حول الموضوع.

    أنا أتفهم أن يحضر ممثلو الهيئات السياحية والمطاعم جلسات النقاش وهي تخاف كما تدّعي شركات التبغ أن يؤثر أي قانون لمنع التدخين داخل الأماكن العامة والمطاعم على عدد السائحين والرواد وتالياً على مواردها المالية. أنا أتفهم أن تستمع لجنة الادارة والعدل الى المؤسسات الاعلامية التي تخاف أن تخسر موردا مهما اذا ما منعت دعايات الدخان، فهي مهددة من شركات التبغ العالمية التي تمتلك ولا عجب شركات غذائية وغيرها بسحب اعلانات المنتجات غير التبغية التابعة لها (للمناسبة لقد حُظر الاعلان عن منتجات التبغ في غالبية وسائل الاعلام في المنطقة العربية). أنا أتفهم أن يعبّر مزارعو التبغ خاصة في الجنوب عن قلقهم من خسارة مورد رزق يدفعون ثمنه دما وعرقا ولكن أرفض أن تتاجر شركات التبغ العالمية بصمود أهل الجنوب. ما لا أفهمه بل أرفضه هو الإستماع لممثلي شركات التبغ العالمية وهم الذين يعملون على حماية مصالحهم الخاصة ومواردهم المالية على حساب صحة الناس، وذلك تحت غطاء حرية الفرد، وحرية الاعلام، ودعم صمود الجنوب والحفاظ على السياحة في لبنان. أنا لا أستغرب أبدا ان كانوا يدافعون ايضا عن حماية البيئة!

    المعركة غير متكافئة. فشركات التبغ العالمية توظف أموالا طائلة وموارد عديدة لمحاربة أي قانون يحد من أرباحها وأنا لا أبالغ اذا قلت إنها تنظر الى لبنان كساحة حرب تتضافر فيها طاقات شركات التبغ العالمية مجتمعة موحدة فلا تنافس ومضاربة في هذه المواقف بل رص للصفوف لخوض معركة كي لا تخسر موقعا كلبنان. انها معركة دولية (global) تدار وتنظم من عواصم كبرى. في المقابل تحارب التدخين، مجموعات أهلية متواضعة آلمها فقدان حبيب بسبب التدخين أو مجموعة من الاساتذة والباحثين يدّرسون صباحا ويبحثون ظهرا ويهتمون بعائلاتهم مساء يفتقدون القدرات المالية والاعلامية وأحيانا حتى الوقت لايصال رأيهم. ما لا يفتقدون هو عزيمتهم وايمانهم بان صوتهم سيصل حتى بعد حين. جلّ ما يأملون أن لا يغيّبوا عن جلسات النقاش!

    إيمان نويهض
    جريدة النهار
    24.02.2010

    Leave a Reply