• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    ماذا بعد “تقاطع الرفض”؟

    تشبه الديناميكية المسيحية التي برزت في حصيلة التصويت النيابي على مشروع قانون التعديل الدستوري لخفض سن الاقتراع الحيوية الضخمة اياها في الانتخابات النيابية الاخيرة. في كلا المحطتين، كانت ثمة علامة فارقة على اثبات الحضور ايجابا وسلبا، وكانت ثمة نتائج عملية ارخت بظلالها على مجمل المشهد الداخلي. وفي كلا الحالتين ايضا، اعلت القوى المسيحية خصوصية مختلفة بالمقارنة مع احوال الشركاء الآخرين، حلفاء كانوا ام خصوما في ملعب التنافس. الشريك الشيعي يبدو موزعا بين مستلزمات التحدي الاقليمي الاكبر الموصول على افق التهديدات الاسرائيلية والملف الايراني وموجبات الشراكة الداخلية في السلطة مما يعرضه لاحراجات كبيرة عند حدود التحالفات والخصومات، كما ظهر الامر في ملفات الغاء الطائفية السياسية وخفض سن الاقتراع وكذلك استحقاق الانتخابات البلدية.

    والشريك السني يبدو بدوره موزعا بين “المسؤولية الرسمية” الحكومية في حراسة التسوية السورية – السعودية والحد من تكاليفها على جبهة الاكثرية والحلفاء، كما عكس ذلك الامتناع المؤلم عن التصويت على خفض سن الاقتراع.

    والشريك الدرزي يبدو ايضا في ذروة لحظة التثبيت المحرج لوسطية شديدة الحساسية بين “نصف اشتراكي حزبي” و”نصف سياسي متحرر” على وقع عد تنازلي طويل لزيارة النائب وليد جنبلاط لدمشق التي اضحى موعدها الغامض اشبه باللغز الذي لا فكاك لحله رغم الموجات الكثيفة المتعاقبة للتوضيحات والتصويبات والتصحيحات والمصالحات وسائر مشتقاتها.

    في ذلك بدا الافرقاء المسيحيون متمتعين بهامش “الدلال” الواسع واصحاب الحظوة في ابراز خصوصية مكنتهم من ان ينبروا الى دور مبادر، ولو من ضمن لعبة داخلية محدودة الافق واقعيا ولا تتصل فعليا بالتأثير على المجريات الاقليمية الاوسع. ومع ذلك كانت “مبادرة” متعددة الوجه وسجلت في خانة “المسيحية السياسية” الفعالة.

    ولكن ذلك، على فرادته واهميته، لا يوجب “السكرة على زبيبة”، او النوم على مجد لحظة عابرة تسمح بها قواعد التوازنات الطائفية القسرية والاقوى من كل الاعتبارات في بعض الحقبات، لسببين موضوعيين على الاقل.

    السبب الاول هو انه لا يؤمَّن للعوامل الاقليمية في ألا تستيقظ بقوة جارفة، في اي لحظة، وعند اول هبة ريح، بما لا يعود معه ممكنا للقوى المسيحية ان تظل في الموقع المتقدم ولا تعود مرة اخرى الى المواقع الخلفية. فليس ثمة جدل في ان التطورات الاقليمية معطوفة على ميزان القوى الحقيقي في الداخل تضع المسيحيين غالبا في الموقع الاضعف، وفي اقل الاحوال تعيدهم الى قطار الاصطفاف مع الآخرين تحت الوطأة الثقيلة لصفة الاستتباع الطائفي وبمعايير قاسية لا يشفع بها اي تمييز بين جبهة وجبهة.

    أما السبب الآخر، وهو الاكثر اهمية في تفحص الخصوصية المسيحية، فهو ان تقاطع القوى المسيحية قاطبة على مسائل تتصل بـ”الوجود” المسيحي او بثقله او بمستقبله، لا يبدو وحده عامل امان وضمان استمرار ما دام مفتقرا الى افق ارحب يصل مبادرة هذه القوى باستراتيجية واضحة للنظام واختلالاته وأمراضه على الضفة الداخلية وامكانات انقاذه وديمومته على الضفة الخارجية. بذلك يتوجب على القوى المسيحية ان تعترف ان تقاطعها النادر على مسألتي الغاء الطائفية وخفض سن الاقتراع كان تقاطعا سلبيا، اي ان القوى المسيحية توافقت على الرفض ولكنها لم تقدم في المقابل البديل العملي والنهج السياسي ذي الافق المفتوح على الاصلاح الداخلي الشامل لمصلحة دولة يتغرغر الجميع بشعاراتها واناشيدها وغنائياتها كل من موقعه ووفق حساباته.

    في الواقع الموضوعي المتجرد عن حسابات الاعداد والارقام والهواجس المزمنة، كان يجدر بـ”المسيحية السياسية” ان تكون مبادرة الى خطوة اصلاحية حقيقية كخفض سن الاقتراع، كما إن تكون رافعة في الدفع نحو الدولة المدنية إن لم نقل العلمنة الشاملة. بطبيعة الحال لا يمكن لوم المسيحيين على خشيتهم من الذوبان والتناقص في هذا الشرق المهدد بالتصحر، فيما يبادر رئيس الوزراء اللبناني الى اول اعلان لعيد مسيحي – اسلامي مسكونا بهاجس الخوف على المسيحيين، عشية زيارته للفاتيكان. ومع ذلك فإن ذلك لا يعفي المسيحيين من تحويل لحظة تقاطع املتها حسابات وظروف “متسامحة” الى منطلق للمضي ابعد نحو فتح آفاق تطوير النظام حيث الحماية الفعلية، وحيث يبقى المسيحيون ملح الدولة.

    نبيل بومنصف
    جريدة النهار
    24.02.2010 

    Leave a Reply