• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    الثقافة العنفية للمجتمعات العربية

    ما يجري في مصر، والعراق، والسودان، بالإضافة إلى المسلسل الطائفي الدامي في لبنان يطرح تساؤلات جذرية حول مستقبل المنطقة العربية بأسرها. ففي ظل تفجر النزاعات الداخلية وسط صمت مطبق أو تواطؤ أكيد من جانب القوى السياسية المسيطرة تتحول المجتمعات العربية كتلاً طاردة من داخلها، ليس فقط للأقليات الدينية والعرقية فحسب بل لجميع القوى المتنورة من دعاة التحديث العقلانية والديموقراطية السليمة.

    تعيش غالبية المجتمعات العربية اليوم مرحلة قلق وجودي يهدد مستقبل الأكثرية والأقليات على حد سواء، ويطول مختلف الشرائح الاجتماعية من رجال ونساء وشباب. وهناك تهديد حقيقي لكل أشكال التعددية، والتنوع، وحقوق الإنسان، واحترام الرأي الآخر، والنظم الديموقراطية، والدولة العادلة، والتنمية البشرية والاقتصادية المستدامة وغيرها.

    وقد لعبت الظاهرة الطائفية، إلى جانب القبلية، والعرقية، والأصوليات الدينية، والقوى التسلطية دورا بالغ السلبية في وصول المجتمعات العربية إلى هذا المصير المؤلم.

     إلا أن تفجرها في المرحلة الراهنة، واتساع رقعتها لتطول أكثر من دولة عربية في آن واحد، يثير قلقا شديدا تتهدد معه بالزوال تجمعات سكانية كبيرة من مناطق تواجدها التاريخي في الوطن العربي. وذلك يتطلب وقفة نقدية لكيفية معالجة هذه الأزمة.

    تجدر الإشارة إلى أن الطائفية ظاهرة تاريخية مرت بمراحل عدة أبرزها الطائفية المستقرة حيث تمارس الجماعات الطقوس والعبادات الخاصة بها؛ والطائفية المتفجرة التي تتحول فيها الجماعة كتلة متراصة وراء زعيم سياسي قوي يغلب مصالحه الشخصية على المصلحة الوطنية العليا؛ والطائفية المدمرة التي تتأثر بعوامل داخلية، وإقليمية، وخارجية تجعل زعماء الطوائف جزءا من مشاريع خارجية.

    لقد تحولت جماهير الطوائف في بعض الدول العربية أدوات طيعة في عملية القتل والتهجير والتدمير الذاتي، وتهديد العيش المشترك والوحدة الوطنية. فأودت بحياة الأبرياء في صدامات متكررة بسبب استمرار التوتر والاحتقان الذي يجعل من حادثة فردية واحدة مدخلا لهجمات متبادلة تنتهي بوقوع ضحايا بريئة، وتهجير آلاف الناس. وتفككت الروابط والصلات القديمة بين أبناء الحي الواحد، والقرية الواحدة، وتُهدد العيش المشترك في أكثر من دولة عربية.

    شكلت الطائفية محور ندوات ومؤتمرات ودراسات متنوعة، من اتجاهات ومدارس مختلفة. فاستمرارها، وتزايد حدتها في السنوات الماضية جعلها في دائرة الضوء بصورة ثابتة. لكن ما يسمى “ثقافة الطائفية” السائدة في لبنان وبعض الدول العربية استمرار لثقافة العنف التي تعصف الآن بالمجتمعات العربية ذات “الدولة الرخوة”.

    كما أن مواجهة العنف الطائفي بالعنف السلطوي دون معالجة أسبابه العميقة قاد فقط إلى تهدئة مرحلية للطائفية لتعود لاحقا بصورة أكثر عنفا. فالطائفية ظاهرة اجتماعية ذات جذور موغلة في القدم. ثم تحولت، لأسباب ذاتية وموضوعية، أزمة دائمة في ظل قيادات طائفية تعامل أفراد الطائفة كرعايا ملحقين بهم وليس كمواطنين أحرار ينتمون إلى دولة ديموقراطية عادلة يتساوى فيها الناس في الحقوق والواجبات.

    ومع غياب الدولة المركزية القوية تحولت العصبية الطائفية سلاحاً اضافياً تم توظيفه في الصراع على السلطة، والتملك، ونشر الفساد والإفساد، ومحاربة كل أشكال العقلانية في بناء مؤسسات الدولة والمجتمع المدني.

    لقد ساعدت الطائفية بعد تحولها عصبية منغلقة على تفكيك المجتمعات العربية ذات التنوع والتعددية، وهددت وحدتها الداخلية في ظل غياب الدولة الحديثة أو تغييبها. وشكلت مؤشرا سلبيا على عجز المجتمعات العربية عن الانتقال إلى مرحلة الحداثة على أسس عقلانية سليمة. وهي نتاج تراكم سلبيات عدة ومتداخلة، أبرزها:

    1- عجز الطبقة السياسية الحاكمة عن بناء دولة مركزية عصرية تقوم على المؤسسات وحكم القانون. وهي طبقة فاسدة أثبتت فشلها على مختلف الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية. وتستمد شرعيتها من أجهزة القمع التي تستخدمها بكثافة لقمع مواطنيها، ونشر الخوف والإرهاب في صفوفهم.

    2- عجز مؤسسات المجتمع المدني عن التصدي لمشكلة الطائفية التي باتت سلاحا مجربا لضرب قوى الحداثة والتغيير الجذري، وتفكيك الأحزاب والمنظمات غير الطائفية بعد إدخالها في بازار السلطة والمحاصصة الطائفية والمذهبية.

    3- فشل المؤسسات التربوية والمهنية في تقديم ثقافة وطنية صلبة تحصن الأفراد من الانخراط في النزاعات الطائفية والمذهبية.

    4- عجز النظام السياسي عن تجديد نفسه ومواكبة متطلبات التحديث والتغيير الديموقراطي. فالنظام المبني على أسس طائفية لا يمكن أن يحصن نفسه من التفجير في ظروف داخلية أو إقليمية أو دولية دافعة بهذا الاتجاه.

    5- طالما أن القوى السياسية التي ترفع لواء التغيير تبحث عن موقع لها في نظام سياسي يرسخ الانقسامات الطائفية والمذهبية، فإن مخاطر انفجار النظام تبقى قائمة.

    علما أن القوى السياسية المعارضة للطائفية بشدة، ومن مواقع علمانية بارزة، ما زالت منذ عقود طويلة تبحث عن حصتها في النظام الطائفي الحاكم بعد أن يئست من تغييره، لكنها لم تحصد سوى الخيبة والتفكك.

    6- لعل أزمات لبنان السياسية المتكررة تقدم الدليل الواضح على أن ما بني على الطائفية والمحاصصة لا ينتج إلا الحروب والدمار الشامل. فقد أثبتت الطائفية حتى الآن، أنها أقوى من جميع التنظيمات والأحزاب السياسية العاملة على الساحة اللبنانية. وهي لم تعكس فقط خلل النظام القديم الذي كان سائدا إبان المرحلة العثمانية، بل حملت أيضا بصمات النظام الطائفي الذي بني في زمن الاستقلال على أسس مذهبية.

    لقد تغير النظام السياسي في بعض مظاهره فقط، في حين تحولت الطائفية المستقرة التي كانت سائدة في عهد المتصرفية طائفية متفجرة ثم مذهبية متفجرة زمن الحرب الأهلية. فخرج النظام الطائفي من حرب مدمرة دامت خمسة عشر عاما أكثر ثباتا وفاعلية. وباتت الأحزاب العلمانية مهمشة إلى ابعد حد بعد أن همشت نفسها حين بحثت عن موقع صغير في النظام الطائفي. وأضحت غالبية المؤسسات التربوية والثقافية والاجتماعية والإعلامية عنصر توليد لمقولات أكثر طائفية ومذهبية.

    بقي أن نشير إلى أن موجة التفاؤل بقرب إلغاء “الطائفية السياسية” انطلاقا من تقنينها وإدخالها كعنصر أساسي في بناء التوازن داخل مؤسسات دستورية عصرية ليس تفاؤلا جديدا في بابه. فجميع الباحثين العلمانيين هاجموا الطائفية بعنف، ووصفوها بأبشع النعوت، ودعوا إلى تجاوزها بصورة تدريجية لبناء لبنان الديموقراطي العلماني الموحد. لكن الطائفية أثبتت على أرض الواقع أنها ما زالت مستمرة بقوة، بعد أن تقلص تأثير دعاة العلمانية والقائلين بقرب زوالها إلى الحدود الدنيا.

    تكمن خطورة الطائفية السياسية في أنها ليست ظاهرة تاريخية فحسب بل اجتماعية واقتصادية وثقافية أيضا. فهي قابلة للتبدل، وترافق كل أشكال الإنتاج وعلاقاته. وقد تجذرت عميقا في المجتمع اللبناني الحديث والمعاصر، لأنها لم تبق على مستوى الممارسات السياسية بل دخلت في بنية النظام، وعبر مختلف مؤسساته، ودوائره، وآليات العمل في داخله. وهي راسخة أيضا في غالبية مؤسسات المجتمع المدني.وتزداد حدة في الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب وجودها الدائم في التصريحات اليومية لرجال الدين والسياسة، وعلى امتداد الأراضي اللبنانية. والأخطر من ذلك أن الدول العلمانية لا تتعاطى مع الدولة اللبنانية إلا من باب الطوائف والتوازنات الطائفية. كما أن القادة الأميركيين والأوروبيين يكثرون مديح الديموقراطية لكنهم يدعمون كل العصبيات الطائفية والمذهبية والقبلية التي تساعد على ترسيخ الديكتاتورية، والحكم الفردي التسلطي. وهي مسألة علمية تثير نقاشا رصينا يؤكد على أهمية الظاهرة الطائفية في المخططات الأجنبية التي لا تريد قيام دولة ديموقراطية عصرية في لبنان.

    ختاما، إن بناء النظام السياسي اللبناني على أسس غير طائفية تحصنه من التفجير في ظروف داخلية وإقليمية ودولية تحرض يوميا على تفجير لبنان من الداخل،هي مسؤولية لبنانية بالدرجة الأولى. وطالما أن جميع القوى السياسية تبحث عن موقع أو حصة في نظام سياسي يرسخ الانقسامات الطائفية والمذهبية، فإن مخاطر انفجار النظام اللبناني على رؤوس اللبنانيين تبقى قائمة.

    وتقدم أزمات لبنان السياسية وحروبه المتكررة الدليل القاطع على أن اللبنانيين لم يقرأوا تاريخهم الطائفي بصورة علمية نقدية بل انتقائية. فما يبنى على الطائفية والمحاصصة لا ينتج إلا الحروب والدمار الشامل. فمتى يتعظ قادة الرأي والسياسة في لبنان من الحكمة القائلة بأن التاريخ يعيد نفسه مرتين أو أكثر فقط عند شعوب لم تتعلم قراءة تاريخها بصورة نقدية؟

    مسعود ضاهر
    جريدة النهار
    22.02.2010

    Leave a Reply