• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    المواطنة أهمّ من المصالحات

    مريح جداً ان تتم مصالحات بين قوى سياسية تصادمت وتحاربت ومن ثم ادركت عبثية نتائجها لأنها فوتت على لبنان وشعبه وبخاصة على اجياله الصاعدة فرصاً كانت واعدة والكثير من النزاعات، حتى نتجنب مصطلح “الحروب”، كان يمكن اجتنابها لو لم تتأخر معالجاتها فظلت مسبباتها قائمة، على رغم التسويات التي استولدت تهدئة متقطعة، لأن ما افقد المجتمع السياسي مناعته الضامنة لوحدته الوطنية استمر بدون معالجة جذرية، اي النظام الطائفي السائد.

    هكذا ظلت كل طائفة تعتبر نفسها اقلية، مما يجعل الشعور بالظلم او الغبن طاغياً، ويجعل التكاذب نمطاً في التعامل، ومما يعرض المجتمع في مراحل متقطعة لفقدان المناعة، ثم تقوم مصالحات ناتجة من صحوة الضمير… وهنا يكمن الارتياح الذي يوفر استقراراً يبقي القلق حياً ما ينطوي عليه قابل الايام. الا ان هذا التحفظ يجب الا يحول دون الترحيب بما تنجزه المصالحات من تقليص للقلق وتخفيف الشعور بالتوتر.

    لكن التهدئة الحاصلة تصبح عبئاً اذا كانت “المصالحات” هي نهاية المطاف، في حين يجب ان تحرض على مراجعة جذرية ونقدية لأسباب ما عاناه شعب لبنان طيلة عقود عديدة منذ استقلاله والنفاذ الى الاسباب والدوافع الحقيقية التي عطلت الكثير من الطاقات المتوافرة بسخاء، والتي ساهم نظام التعددية الطائفية في تهميشها او تهجيرها.

    يستتبع ان الوقت قد حان لندرك ان النظام الطائفي القائم خاصة في ظل الاجواء الدولية، والازمات المتفاقمة في الساحة الاقليمية والتيارات الظلامية من جهة والمتقوقعة من جهة اخرى ستبقي لبنان، كما العديد من الاقطار العربية، عرضة لتجاذبات خطيرة، والجميع يشهدون ما يدور في اوطان تجمعها وحدة المصير – ادركنا ام لم ندرك – من تداعيات واسقاطات، عندما تغيب المواطنة وتستبدل بهويات مجتزأة دينية وليس طائفية وقبلية وعرقية توصل الى مزيد من التفتيت. (اجل، اصبح من الضرورة الملحة وبسرعة وليس التسرع) البدء بالتفكير في اشعار اللبناني بأنه مواطن متساو في الحقوق والواجبات، وان يكون ما تفرزه المواطنة احتفاء بالتنوع ونهاية التوجس ورواسب القلق الذي يحدث مصالحات، لكنه لا يضمن مناعة ولا يثمر ولا يؤول الى مناعة الوطن ولحمته.

    ***

    صحيح ان المصالحات تنزع فتيل الميل للانتقام وهذا من شأنه أن يدفع الى كشف أسباب النزاعات والعداوات فندرك أنها تعود الى الطائفية لأنها القانون الناظم للعلاقات وعند ذلك كما شاهدنا دوماً أن حقوق اللبناني تحددها قيادة الطوائف المتعددة رغم الكثير من دساتير النظام التعددي الطائفي. ولهذا يبقى لبنان سجين حالة تعريفه، كما أكدناه بأنه اطار لتعددية طوائفه في حين ان المواطنة تحسم ان لبنان هو وطن.

    والالحاح على تشريع يؤكد المواطنة سببه السعي الى استقامة تعامل لبنان مع المجتمع الدولي. ففي أوضاع “شرعية النظام الطائفي” نرى كيف تتعامل مع لبنان القوى الدولية. فكل مرة يجيء مسؤول اميركي أو أوروبي أو غير ذلك يشعره المرسل ان عليه أن يأخذ في الاعتبار “مخاوف” لبنان، لتكون أولوية المبعوث أن يطمئن مثلاً الى ان استئناف العلاقات الاميركية مع سوريا “لن تكون على حساب التزامنا سيادة لبنان…”. أو تأكيد المبعوث جورج ميتشل ان تسوية النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني لن تكون لقاء “توطين” اللاجئين، كذلك رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي أكد حرص فرنسا التاريخي على “سيادة لبنان الخ… وفي كثير من الاوقات يرى هؤلاء المبعوثون خلال زياراتهم “للرسميين” ان عليهم طمأنة قادة الطوائف – أو بعضهم – السياسيين، والروحيين… وكثيراً ما تكون “الطمأنة” الى الأمن الوطني، كما حصل في تأجيل قرار مجلس الأمن لوقف القتال بعد حرب تموز مما مكن اسرائيل من زرع ما يقارب مليون قنبلة انشطارية ولغم في كثير من بلدات الجنوب وقراه.

    المواطنة توفر للبنان طمأنة ذاتية، وبالتالي تستوجب اقناع دول العالم بتأييد سياسات لبنان ودعم ما يطالب من مساعدات وحقوق، وهي تتطابق مع السيادة الوطنية للبنان والتي تصوغها ارادة مواطنيه ووحدتهم.

    ***

    ومع الترحيب بالمصالحات القائمة والتي قد تحصل، لأن من شأنها تنفيس الاحتقان مما يؤدي الى تقليص حدة التوتر، يجب أن تستولد المصالحات عملية نقد صادقة للذات، خطوة تجعل طاولة الحوار برئاسة رئيس الجمهورية إطاراً لإخراج لبنان من قيد – أو قيود – ا لنظام الطائفي الى رحاب نظام المواطنة، مما يعزز التزام كل لبنان التصدي لاحتمالات عدوان اسرائيل عليه وتعزيز سياسات التنمية المستدامة وفصل السلطات، وبالتالي تمكين لبنان من ترسيخ العدالة الاجتماعية وقيم الحرية والمساواة.

    علينا أن نجعل المواطنة تعريفاً لواقعية جديدة، حرصاً على مصالحته تلقائياً مع نفسه فيطمئن الى ان مواطنيه يعيشون في وطن خرج من كونه سريع العطب، ويوفر له مواطنوه المناعة التي تحمي حق الاختلاف وتنبذ أي لجوء الى الخلاف.

    الأهم ألا يبقى النظام الطائفي يدفع الاجيال الآتية الى مستنقع النزاعات العقيمة، وألا تكون المصالحات هدفاً في ذاته وبديلا من حتمية الاستفادة مما توفره المواطنة من مواكبة ومشاركة في صيرورة ونهضة الأمة العربية التي ينتمي اليها لبنان.

    كلوفيس مقصود
    جريدة النهار
    21.02.2010

    Leave a Reply