• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    حول ضرورة تغيير النظام اللبناني من عدمها

    ما لفتني في كتاب نادر فرجاني، «هدر الإنسانية»، الصادر حديثاً عن دار ميريت، وهو عبارة عن مقالات مكتوبة بمناسبات وطنية، وعن الأوضاع السيئة، وبعض الأحداث والممارسات القمعية التي مرَت في مصر مؤخراً، الأسلوب النقدي الساخر الذي يتناول بمرارة سلوك المسؤولين المعتبرين كأعداء مستحكمين ومكشوفين للمواطن المصري.

    يفضح المؤلف ممارسات الاضطهاد التي تمارسها السلطة الحاكمة في ظل قانون طوارئ مستمر منذ سنين -كما هي الحال في سورية، وفي غيرها من البلدان العربية- للفقراء والمسحوقين في مصر.. ويورد حوادث فيها ظلم وقمع مفضوحة، ولا تحترم القانون، ما يبرر للكاتب استخدامه صيغا وتعابير مثل «غلبة التنظيم الرأسمالي»، أو «القوى التي تنهب الأرض الزراعية»، أو «التحالف بين الشرطة والعائلة الإقطاعية».. هذه الصيغ التي كنا اعتدنا استخدامها في لبنان في الستينيات والسبعينيات. ولكن ما مرّ بنا من تجارب وأحداث جعلها بعيدة، وكأنها آتية من تاريخ منسي، بخاصة بعدما حدث منذ انتفاضة الاستقلال وما تبعها. لقد تغيرت النظرة إلى الجيش والقوى الأمنية جذرياً عند قطاعات واسعة من اللبنانيين بعد موقفه الوطني من التظاهرات بعامة، وتجاه أحداث نهر البارد الذي تغلب فيها على تنظيم «فتح الإسلام» الذي كان يهدد الجمهورية اللبنانية في وجودها ذاته، لو نجح عبر إمكانية تحويله طرابلس وضواحيها إلى إمارة إسلاموية… بخاصة.

    لا يعد الجيش في نظر اللبنانيين عامة «أداة قمع في يد أعداء الشعب»، بل هو مطالب به لحماية الوطن والمواطن خصوصا بعد السماح بذهابه إلى الجنوب إثر اتفاق 1701 بعد حرب 2006. وتحولت العلاقة بين المواطن والدولة لتصبح أكثر إيجابية، بل إن إيجاد الدولة القوية، لكن الديمقراطية، مطلب حقيقي لبناني. فالقمع في النهاية لا يأتي من أجهزة الدولة التي تقوم تقريباً بما يشبه دور الوساطة بين مكونات المجتمع المنقسم على نفسه. القمع يأتي من تسلط بعض القوى التي تسهم في إضعاف الدولة، وترغب في فرض خطاب واحد واجماع بالقوة يقضي على التعدد والاختلاف.

    لكن هذه الحالة لا تنطبق على الأوضاع في الأنظمة العربية، لأن السبيل الوحيد لبقاء هذه الأنظمة بعامة، هو السيطرة الأمنية الفعلية على جميع مفاصل الدولة والمجتمع لدرجة الاختناق. ما يحمي الديمقراطية في لبنان، لأن هناك ديمقراطية لبنانية، هو بالذات النظام اللبناني الذي يسمح بالمساحة المعطاة للممارسات السياسية في الحياة العامة، والتي تحفظ توزيعا دقيقا للحقوق السياسية لكل دين وطائفة ومذهب، ما يحفظ التنوع والتعدد ويحميه. ولأن الوضع كذلك نجد استحالة الاحتكار الديني للسياسة طالما أن هناك أكثر من دين واحد، وأكثر من مذهب واحد ملزمة جميعها بالتعايش بواسطة الدستور. إن واجب القبول بهذا الأمر بذاته، هو ما يحمي مجتمعنا من تقديس الممارسات البشرية باسم الدين، او الحزب، ويمنع فئة واحدة من الحكم. كما يحمينا من جميع أنواع الدكتاتوريات الاخرى، أي المدنية بالادعاء، وهي لا تكون سوى عسكرية وأمنية.

    من هنا نجد أنفسنا مدفوعين لإجراء مقارنات بين الوضع في لبنان، مع أوضاع البلدان العربية وطبيعة أنظمتها المتجانسة والتي لا تعترف سوى بمرجعية دينية واحدة إسلامية، إما تسترشد بها الدولة، وإما تخضع لها مباشرة، فتحكم باسم الدين، ويحصل استبعاد للأقليات الدينية والاتنية والعرقية عندما لا تنتمي إلى الغالبية المسيطرة ويقضى على أبسط حقوقها السياسية.

    ورد على لسان الرئيس السوري مؤخراً أن «الحرب الأهلية في لبنان قد تبدأ في أيام، ولا تحتاج إلى أسابيع وأشهر. قد تبدأ هكذا فقط. لا يمكن الشعور بالاطمئنان حيال أي شيء في لبنان، إلا إذا غيرّوا النظام بكامله».

    قد يكون الرئيس السوري محقاً، وقد يكون علينا تعديل النظام الطائفي اللبناني، وتحسينه في أول فرصة. لكن علينا ألا ننسى أن هذا النظام الهش والطيع، هو الذي مكّن لبنان من البقاء. لأن علينا ألا ننسى أن سبب اعتماد الطائفية السياسية أنها أمّنت منذ البداية نوعا من أنواع المساواة بين مختلف الطوائف، التي هدفت إلى إرساء نوع من العدالة والإنصاف بين مختلف مكونات المجتمع اللبناني في ظروف تاريخية معينة لا مجال لذكرها هنا.

    في المحصلة، وفي ظل تنامي الأصوليات، وبعد إرساء البنلادنية أنموذجاً ونمطاً يحتذى في بلدان العالم العربي، وتحول «القاعدة» إلى باراديغم يمارس بطرق متعددة، وعبر بؤر تتواصل فيما بينها، بواسطة أحدث التقنيات الإلكترونية محوّلة بلداننا العربية إلى بؤرة للصراع الديني والإتني المتنقل بين الدول والمعبَر عن نفسه حروباً أهلية مكشوفة، كما في اليمن، أو عنفاً أهلياً مكشوفا، كما في العراق، أو مكتوماً كما في مصر، ومعظم أنحاء العالم العربي. لا يعود بإمكاننا سوى تقدير ريادة تجربتنا اللبنانية التي تقبل المسيحيين العرب اللبنانيين على قدم المساواة، بينما التضييق يطالهم كما في مصر، أو يتعرضون للتهجير كما في العراق، أو أنهم يمثلون ذريعة التسامح المفترض مع الأقليات، كما في النظام السوري، وكغطاء لقمع الأكثرية. والحال أن الوضع الأمني المؤقت المستتب نسبياً في معظم الأنظمة العربية لا ينفع في كتم الصراعات الدينية والاتنية التي تفور تحت قشرة الأمن الهشة والممسوكة بفضل قانون الطوارئ ليس إلا.

    من هنا يبدو الوضع في لبنان أفضل بما لا يقاس من الأوضاع المحيطة به… من الوضع الاقتصادي المستقر والجيد، إلى مستوى الحريات الحقيقية، سواء الشخصية أم السياسية أم الاعلامية، وإلى السيطرة النسبية على الإرهاب الأصولي.

    ومن هنا، إذا كان تطوير النظام اللبناني مطلوباً، فمن أجل تدعيم أكبر للوجود المسيحي فيه، الذي يتعرض لمحنة في العالم العربي الإسلامي. لكن في الحقيقة إنها محنة المسلمين العرب أنفسهم، الذين يشكلون الأكثرية في هذه المنطقة. وليس المسيحيون وحدهم ضحايا هذه المحنة، بل العلمانيون العرب أيضاً.

    إن التجربة اللبنانية، المحتاجة إلى الكثير من التطوير لا شك، يجب أن تكون الرائدة مع ذلك للمجتمعات العربية في مطلع الألفية الثالثة. كما أن المسيحيين الشرقيين، والعرب منهم بخاصة، هم حاجة عربية وإسلامية للنهوض والانخراط في مسار العولمة والانفتاح الحضاريين، وبدل المساعدة على شرذمتهم وانقسامهم، كما حصل مؤخراً مع الموارنة، الذين تذكروا أصولهم الشامية الآن فقط، يجب الحفاظ عليهم، لأن النجاح في امتحان الاعتراف بـ «الآخر» العربي، هو مقياس التطور، وهو الإثبات الوحيد لأهلية الاندماج في مجتمع كوني ينحو نحو المزيد من الالتزام بمعايير العدالة والمساواة في الحقوق والحريات. وهو الامتحان الوحيد الذي يمكنه أن يثبت قدرتنا على تأسيس مفهوم جديد للعروبة الثقافية المتأقلمة مع متطلبات العصر.

    منى فياض
    جريدة أوان
    20.02.2010

    Leave a Reply