• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    رشّة لتعطير الأنفاس

    بصرف النظر عن الجانب المصلحي و”الحسابي” المتصل بتقديرات القوى السياسية لما قد يؤول اليه تطبيق النسبية كنظام جديد في الانتخابات البلدية والاختيارية سلبا او ايجابا بالنسبة الى اي منها باعتبار ان هذه الحسابات هي العامل الحاسم في قرارها، فان ذلك لا يقلل اطلاقا وقع المفاجأة السارة التي طلع بها الوسط السياسي برمته على الرأي العام باقرار مجلس الوزراء هذه الخطوة الجريئة “النادرة”.

    بطبيعة الحال الامور مرهونة بخواتيمها، ولا تزال الخطوة في بداية الطريق تثير الكثير من الشكوك او المحاذير حيال منحاها التطبيقي اللاحق باعتبارها تجربة اولى محفوفة بالتعقيدات الشديدة، ان على صعيد فهم الرأي العام المحلي لهذا النظام وان على مستوى النتائج التي قد تأتي ملائمة للتركيبة اللبنانية “النادرة” ام لا. ولكن في اللحظة الراهنة، سيطيب على الاقل للنخب الاصلاحية الصادقة التي لا مصالح سياسية وانتخابية لديها – ان تنظر الى الطبقة السياسية في “اجتراحها” هذه “الفلتة” بمنظار بعيد عن الكلاسيكية على سبيل تحفيزها على مزيد من السلوكيات الاصلاحية والتغييرية البنيوية في المسار الديموقراطي الداخلي علّ ذلك يؤدي الى بدايات وضع مسائل صراعية كبرى على طريق حلول ذاتية تنبع من الداخل الى الداخل – وبقرارات لبنانية صرفة.

    قد لا يكون كل تغيير ايجابيا، ولكن الاسوأ من ذلك ان تتخذ هذه القاعدة ذريعة لمنع التغيير وقمعه. وهذه المعادلة تنطبق تماما على الاقرار المبدئي للنسبية بما يتركه من ايحاءات “جديدة” تظلل المشهد الرسمي والسياسي.

    وسواء كان اقرار الخطوة بدوافع نابعة من اقتناعات او مراجعة حسابات كما قيل، او على سبيل المناورة وترك كرة النار لمجلس النواب لاحقا، يتعين على الوسط السياسي ان يدرك ان خطوة ولو محدودة كهذه كشفت في بعدها الخلفي الحجم الهائل لحاجة هذا الوسط برمته الى جرعات ديموقراطية واصلاحية متعاقبة، يمكن على سبيل “تكبير الحجر” في ناحية ايجابية كهذه، ولو لم نكن نحتمل هذا القدر، اعتبار تجربة “الحوار” حول النسبية ونتائجها حافزا نوعيا للسلطة الاجرائية للاقبال على مزيد. فاذا كان مجلس الوزراء استهلك خمس جلسات لانجاز رزمة ولو متواضعة من الاصلاحات الانتخابية – ما الذي يحول مثلا في مرحلة لاحقة دون برمجة حوار اوسع، داخل مجلس الوزراء بالذات، حول قضايا مصيرية اكبر مثل الاستراتيجية الدفاعية نفسها وكذلك كل البنود المثيرة للانقسامات في اتفاق الطائف والتوصل الى برمجتها ضمن رزمة ضخمة؟

    اهم ما في هذا البعد انه يعيد الاعتبار الى مفهوم الحل الداخلي الجذري بما يتجاوز طابع “التسوية” المظللة بلاعبين اقليميين لا يستقيم استقرار ولا حوار الا بتدخلهم. كما ان اهميته المفترضة تكمن في اختبار الديموقراطية التي تعني الاعتراف بالآخر فعلا وليس بالاستقواء الخارجي او بمعركة التوازنات المضنية.

    اما في البعد الاصلاحي، فان النسبية في الانتخابات البلدية والاختيارية، اذا قيض لها ان تنجو من افخاخ ومكامن محتملة لا يمكن اسقاط التنبه لوجودها، قد لا تشكل في حجمها الحقيقي اكثر من “رشة لتعطير الانفاس” في مناخ شديد الاحتقان بل يكاد يكون شديد المرض، الى حدود الاختناق، بكل ما هو انسياقي وتبعي على المستوى الانتخابي والسياسي والطوائفي والمذهبي العام. هذه “الفتحة” في النسبية ستسمح على الاقل بولادة “جزر” اولية في اختراق هيمنة القوى السياسية العملاقة على مجمل الشوارع والطوائف والكتل الانتخابية، وادخال مقدار معقول من “الوافدين” الجدد من خارج اطار الاصطفافات، وحتى من داخلها، لكن مع كسر قاعدة الهيمنة. ثم ان الوسط السياسي المبتلي بلاء مخيفا بالفساد والتكلس الفكري، ربما يكون كشف في هذه الخطوة المحدودة حاجته القصوى الى بعض تبييض لصفحة شديدة القتامة والوطأة عليه، فأعطى ولو بقدر يسير وصغير ما يمكن ان يكشف امرا اكبر بكثير، وهو انه لم يعد يمكنه الغرق اكثر في هذه الضحالة القاتلة.

    نبيل بومنصف
    جريدة النهار
    19.02.2010 

    Leave a Reply